تتمتع رواية ذاكرة الجسد بفضاء واسع قادر على استيعاب النصوص الأخرى، وكذلك الأجناس الأدبية الأخرى، والمظاهر الثقافية غير الأدبية، فهي تستوعب كل ما يتصل بحياة الإنسان وبفكره، من تاريخ ودين وفلسفة، وأسطورة وسياسة ... ، ما يجعلها فسيفساء من تلك الحقول المتجاورة والمتداخلة والمنسجمة، رغم تعارضها أحيانًا، ويجعلها أيضًا تفرض نفسها فنًا أدبيًا مهيمنًا على المرسل والتلقي في آن معًا.
إذا كانت هذه الأهمية لفن الرواية قد جعلت الكتاب يتنافسون في حقل إبداعه، وينوعون في أساليب كتاباتهم، سعيًا لتحقيق مستوى من الكتابة يتناسب مع قيمة هذا الفن، فإن ذلك يتطلب من القارئ - أحد المشاركين في إنتاج النص - أن يولي تلك الكتابات الأهمية ذاتها حتى يتساوى طرفا المعادلة، من هذا المنطلق تأتي هذه الدراسة، لتحاور نصًا روائيًا غنيًا، لكاتبة مبدعة في الحقل الروائي هي أحلام مستغانمي.
في البدء، نستطيع القول: إن كل نص أدبي مشروع معرفي قائم بذاته، وهو شفرة أو رسالة معرفية تواصلية بين الكاتب كمرسل والمتلقي كمرسل اليه. كذلك بالإمكان القول: أن كل نص أدبي له استقلاليته وخصوصياته الفنية، وكل نص أدبي بعد نشره وطبعه يعتبر مشروعًا قائمًا وحاضرًا للتشريح النقدي من قبل القراء والنقاد. لكن هذه البديهيات في عصرنا الراهن طرأت عليها بعض التغيرات، من حيث اعتبار النص الأدبي إطارًا مفتوحًا بالإمكان حشوه بمقاطع من نصوص أخرى لغرض زيادة فاعلية تأثيره في ذهن المتلقي، وزيادة جمالية النص الأدبي لإثارة انتباه المتلقي، وبهذه الطريقة حين يفقد النص الأدبي استقلاليته من حيث الأجناس الأدبية، أي من حيث تمازج نصوص مع بعضها أثناء عملية التناص يكون الكاتب، صاحب النص معذورًا فيها حين يوظف هكذا عملية لأغراض جمالية أو لأغراض زيادة طاقة الشفرة المعرفية للنص.
يقصد بالتناص الأدبي توظيف نص في جسد نص آخر لغرض زيادة جمالية النص، وهذه العملية ليست بالجديدة في تاريخ الآداب، لكن الملفت للنظر ازدياد اللجوء للتناص الأدبي في النتاجات الأدبية المعاصرة، لكون المبدع الأدبي في وقتنا الراهن أكثر اطلاعًا على نصوص الآخرين وبالنتيجة أكثر هضمًا لإبداعات الآخرين؛ ولكن أكثر أنواع التناص جماليةً هو ذلك الذي نجده في نص أدبي حين يكون مؤلفه قاصًا أو روائيًا وشاعرًا في نفس الوقت؛ لأن هكذا نصوص تبغي جمالية النص وزيادة شحنة لذة النص فيه.
دأب الروائيون المعاصرون على العودة إلى التراث الذي يشكل رافدا أساسيا من روافد الحركة الشعرية المعاصرة. وقد اتخذت العودة إلى التراث أشكالا متعددة ومختلفة. فمن الروائيين من أعاد التراث إعادة جامدة لا حياة فيها وحشدوا في أعمالهم الروائية اسماء وأقوالا لشعراء قدماء لا تندمج في تجربتهم أو في رؤية رواياتهم. ومنهم من حاول أن يفيد من التراث وأن يوظفه توظيفا حيويا، ومنهم من اعتمد التراث وأخضعه لتجربته وطوره ونماه وألبسه ثوبا جديدا زاهيا يكشف عن أن التراث مصدر مهم عند قراءته قراءة جديدة تربط الماضي بالحاضر.