الصفحة 9 من 17

إن كثيرًا من الاعتبارات هي التي جعلت هذا النص الروائي - ذاكرة الجسد- يتميز عن غيره من الأجناس الأدبية الروائية الأخرى؛ وذلك لارتباطه الوثيق بالحياة المجتمعية، حيث تمكن من تصوير الواقع الكائن والواقع الممكن ضمن السيرورة التاريخية للمجتمع، لهذه الأهمية وغيرها حظيت رواية ذاكرة الجسد بمكانة هامة في الحركة الأدبية العربية المعاصرة، وذلك للجمالية السردية الفنية والشاعرية التي تمتعت بها جمل وعبارات الرواية فتمتع بها القراء. هدف هذه الدراسة البحث عن العلاقة بين النص الأصيل للرواية والنصوص أو الأحداث القرآنية المتداخلة التي استعان بها الكاتب، أي البحث عن النصوص المرجعية التي تساعد المتلقي للوصول إلى دلالة ومعنى النص الروائي من وجهة نظر كاتبه.

لقد اعتمدت الروائية أحلام مستغانمي في نصوصها (المتناصة) انطلاقا من نص سردي قديم محدد الهوية كشكل، واعتماده منطلقًا لإنجاز نص روائي حديث، فهي تسير في معالجة مادة روايتها بالاستفادة من نظرية جيرار جينيت في التناص، وذلك عندما حدد أنواع التعالق النصي في ستة أنواع المعروفة: المحاكاة الساخرة، والتحريف، والمعارضة، والمواضعة، والاختراع، وعند المرور على فصول الرواية مجتمعة؛ للوصول لمواطن التناص بداخلها، يتبين لنا أن التناص جاء في صور متعددة لعل أهمها، التناص الديني، أو القرآني، وهو أهم أنواع التناص داخل هذه الرواية:

-التناص الديني:

يعدّ النص القرآني مصدرًا ثرًا من مصادر الإلهام الشعري الذي يفيء إليها الشعراء، يستلهمونه، ويقتبسون منه، إن علي مستوي الدلالة والرؤية أو علي مستوي التشکيل والصياغة. و يبدو أن التناص مع آيات القرآن الکريم قد أخذ مجالًا واسعًا في النصوص الأدبية التي هي من صنع الأدباء. ولعل اهتمام الشعراء وکلفهم باستدعاء النصوص القرآنية والتناص معه"لما يمثله القرآن الکريم من ثراء وعطاء متجددين للفکر والشعور، فضلًا عن تعلق ثقافة الشعراء المعاصرين به تأثرًا وفهمًا واقتباسًا" [1] . يقصد بالتناص الديني أن تتداخل مع النص الأصلي للرواية نصوص دينية مختارة عن طريق الاقتباس أو التضمين من القرآن الكريم أو من الحديث الشريف أو الأخبار الدينية بحيث تأتي منسجمة مع السياق الروائي وتؤدي غرضًا فكريًا أو فنيًا.

إضافة إلى أن استحضار الخطاب الديني في الخطاب الأدبي المعاصر، يعني إعطاء مصداقية وتميّز لدلالات النصوص الأدبية، انطلاقًا من مصداقية الخطاب القرآني، وقداسته وإعجازه.

و إذا کان الأديب يقتبس من القرآن بعض ألفاظه وتراکيبه، أو يغترف من نبع معاني القرآن جملة، أو يضمّن نصه أثرًا من روح القرآن ووحيه، فإن ذلک کلّه أو بعضَه، يظهر بجلاء حينًا وبشيء من الخفاء الفني أحيانًا. من خلال أشکال متناصية واضحة مع القرآن کاشفًا في هذا أو ذاك أبعادًا دلالية متنوعة. ولابدّ للقارئ بالطبع من

(1) التناص مع القرآن الکريم في الشعر العربي المعاصر، عزة جربوع، مجلة فکر وإبداع، العدد 13،ص 134، 2004 م.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت