أن يمّر عبر السياق القرآني للوصول إلي الدلالة النصية، لا أن يبقي متعلقًا بالنص القرآني دون أن يفطن إلي أنه مرآة تنعکس عليها أشعة الدلالة النصية للإشارة إلي الواقع.
إن التناص بآيات قرآنية يكشف لنا عن التأثير القرآني في الرواية، والفائدة المرجوة من هذا التناص المباشر، وفي هذه الحالة يجب الإحاطة بالتراث الإسلامي الكامن في القرآن الكريم، حتى نتمكن من كشف ما ورائية التناص القرآني في الرواية ...
لقد جاء في الرواية:"نمت في تلك الليلة قلقًا، وربما لم أنم. كان صوت ذلك الطبيب يحضرني بفرنسيته المكسرة ليوقظني"ارسم".كنت أستعيده داخل بدلته البيضاء، يودّعني وهو يشدّ على يدي"ارسم".فتعبر قشعريرة غامضة جسدي وأنا أتذكر في غفوتي أول سورة للقرآن. يوم نزل جبرائيل عليه السلام على محمد لأول مرة فقال له"اقرأ"فسأله النبي مرتعدًا من الرهبة .."ماذا أقرأ؟"فقال جبريل"اقرأ بسم ربك الذي خلق"،وراح يقرأ عليه أول سورة للقرآن. وعندما انتهى عاد النبي إلى زوجته وجسده يرتعد من هول ما سمع. وما كاد يراها حتى صاح"دثريني .. دثريني ...". [1] "
كنت ذلك المساء أشعر برجفة الحمى الباردة. وبرعشة ربما كان سببها توتري النفسي يومها، وقلقي بعد ذلك اللقاء الذي كنت أعرف أنه آخر لقاء لي مع الطبيب. وربما أيضا بسبب ذلك الغطاء الخفيف الذي كان غطائي الوحيد في أوج الشتاء القارس، والذي لم يمنحني مستأجري البخيل غيره.
وكدت أصرخ وأنا أتذكر فراش طفولتي. وتلك"البطانية"الصوفية التي كانت غطائي في مواسم البرد القسنطيني، كدت أصرخ في ليل غربتي .."دثريني قسنطينة .. دثريني ..".
لعل من أهم أهداف التناص القرآني كشف التراث الإسلامي الموجود في النصوص النثرية وإظهاره، ومن ثم لا يعد هذا التناص استرجاعًا للمخزون الثقافي فحسب، أو استعادة للذاكرة الثقافية، أو تداخلًا للنصوص في العمل الأدبي دون فلسفة أو هدف، وإنما هو عملية مقصودة لأهداف، وبهذا يمكن الإشارة إلى أهمية التناص بوصفه سياقًا أدبيًا خلاقًا، تلغى فيه الحدود بين الماضي والحاضر في سبيل تجديد الأدب وتطويره، دون زعم لتجديد قائم في فراغ، ودون إبداع منبت عن السياق المحيط به، ودون إدعاء عبقرية فردية لأديب ما، إلاّ عبر تداخله مع نصوص أخرى مبدعة [2] .
حين استحضرت الروائية أحلام مستغانمي لهذه الحادثة الدينية المشهورة، والمتعلقة ببداية نزول الوحي على الرسول الكريم في إبداعها الروائي، إنما أرادت بذلك خصوبة النص، فتحلى بها كلما امتص بإحكام جوهر ما تقدمه
(1) ذاكرة الجسد، أحلام مستغانمي، منشورات أحلام مستغانمي، بيروت، الطبعة العشرون،2004 مص 62.
(2) علم لغة النص النظرية والتطبيق، عزة شبل محمد، ص 77.