الصفحة 11 من 17

من نصوص، وتمثله بشكل وهيئة أمثل، وبخاصة النص القرآني الذي له ميزات وخصائص معجزة، إن التناص في الصورة التي مرت بنا ترتقي لتكون تناصًا تطابقيًا تمثيليلًا للنص الديني بكامله، حيث أوردت الروائية النص - على لسان البطل الروائي - وما حدث للرسول عليه السلام حال نزول الوحي، ولم يكتف بذلك بل صور نفسه في المشهد ذاته، وأن ما حدث للرسول حدث له ... إن التناص هنا له هدف أدبي جمالي، حيث أن أسلوب القرآن هو الأسلوب الأمثل للغة العربية، واتخاذ بعض صوره وأساليبه نموذجًا يضاف للصياغة الأدبية، مما يكسبها رونقًا وجمالًا، إضافة إلى التنويع في إدخال النص الديني في الرواية، ويراد بالبنية الفنية الأسلوب القريب من الأسلوب القرآني.

أعتقد أن استدعاء أحلام مستغانمي لبعض النصوص والحوادث الدينية والتمثل بها (كحادثة نزول الوحي على سيدنا محمد) يدخل تحت باب تأصيل الرواية العربية، الذي يقتضي العودة إلى الموروث السردي الديني، والإفادة منه في تأسيس لرواية عربية خالصة، وأن التراث الديني يشكل جزءًا كبيرًا من ثقافة أبناء المجتمع العربي، لذا فإن أي معالجة للتراث الديني هي معالجة للواقع العربي وقضاياه، وبما أن القرآن دخل في حياة العرب والمسلمين خاصة نلاحظ هذه الثقافة العامة القرآنية تحيط بالمجتمع العربي، وتتجلى في الرواية العربية التي يتناص فيها كاتبها مع القرآن الكريم مثلما هو الحال مع صاحبة روايتنا، على نحو يجعلها أجمل من الروايات الخالية من التناص القرآني، لقد أقامت الروائية علاقة تناصية عبر تفجير طاقات النص الديني وخروجه عن المعنى الواحد إلى عدة معان تربط الماضي بالحاضر، فأحلام مستغانمي ومن خلال هذه العلاقة التناصية قامت بتحويل دلالة النص الديني من داخل نصه المرجعي، وداخل لحظته التاريخية وزمنه وسياقه السردي، ليتواءم مع زمن جديد وسياق سردي جديد يتمثل في الحوار الذي دار بين بطلي الرواية.

إن النص القرآني المقتبس في العمل الروائي عند المبدعة أحلام مستغانمي يجب أن يؤدي وظيفة فنية جمالية أو فكرية موضوعية يخدم السياق الروائي وينسجم معه. ولا يستحضر هذا النص أو ذاك للزينة أو للديكور أو استعراض القدرات الثقافية، وإنما لغرض تراه الروائية ضروريًا لتعميق فكرتها المطروحة أو بلورة رؤيتها في قضية ما، أو تراه منسجمًا مع البناء الفني أو الأسلوبي أو اللغوي في روايتها، وأعتقد أن هذا هو الذي قامت به الروائية من خلال ما قامت به من تناص.

لقد تناص النص الأصلي لرواية ذاكرة الجسد مع نصوص دينية من المؤكد أن الروائية أحلام قد اختارتها عن قصد، وبشكل صريح عن طريق التضمين كما هو في المثال الذي مر بنا منذ قليل، أو بشكل ضمني من خلال بنيات صغرى مضمنة في المتن الروائي"مناصات" [1] ، تحيل إلى مرجعيتها الدينية، محورة أو مضمنة في النص الروائي،

(1) المناص: يقصد به بنية نصية تشترك وبنية النص الأصلي في مقام وسياق معينين، تجاورها محافظة على بنيتها كاملة ومستقلة، لا علاقة لها معها إلا من خلال البحث والتأمل، لكن هناك مناصات خارجة عن النص مثل العناوين والعناوين الفرعية، والمقدمات والذيول ... ينظر انفتاح النص الروائي"النص والسياق"،سعيد يقطين، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، الطبعة الثانية،2001 م، ص 90 - 111.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت