أن يتصورها الذهن في هذا المقام إلا وبقاء هذا الطاغية وهو يسلخ الناس من دينهم ويدخلهم في ظلمات الجاهلية أفواجا يعد أشد منها وأعظم وأفدح.
صحيح أن العلماء قد أجمعوا على وجوب الخروج على الحاكم إذا كفر وأن ولايته على المسلمين تنتهي بكفره لقول الله تعالى: {ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا} ، وهذا منطلق واضح وجلي ومن اعتمد عليه واستند إليه فقد آوى إلى ركن شديد، وهو أبرز ما اعتمدته"الجماعة الإسلامية المقاتلة"في قتالها للقذافي لأنه قد باح بكفره وأعلن به دون حياء ولا وجل، ولكن هناك قضية أخرى يقررها الشرع ويشهد لها الواقع وهو أن هذا الطاغية بنظامه وأفكاره ومؤسساته أخذ كل صفات العدو الصائل الذي يفسد الدين والدنيا.
فإننا نعلم أن الأعداء الذين يجتاحون بلدان المسلمين قديما وحديثا أول أهدافهم وأهمها هو تغييب الهوية الإسلامية عن الأمة وطبع الشعوب بطابع العدو أو كما يسمى (الاستعمار) لتكون نسخة منه في أفكارها وعقائدها وسلوكها وأخلاقها وطبائعها وعاداتها وتقاليدها وسماتها ولباسها وهيئتها فلذا تراهم يقومون بحرب لا هوادة فيها ضد من يقف في وجههم ويكشف حقيقتهم ويفضح مخططاتهم، وهذه النتائج المخيفة التي يسعى لها كل عدو (صائل) دهم بلدان المسلمين هو ما يعبر عنه الفقهاء والعلماء بـ (إفساد الدين والدنيا) ، لأن الأمة إذا غيبت عن دينها وتربت في كنف أعدائها وأسلمت القياد لجزاريها لا تسأل بعدها عن قدر الفساد والخراب الذي سيلحق العباد من وراء ذلك في دينهم ودنياهم.
ولهذا قال شيخ الإسلام رحمه الله كلمته المشهورة التي تعد قاعدة كلية في التعامل مع الصائلين: (وأما قتال الدفع فهو أشد أنواع دفع الصائل عن الحرمة والدين فواجب إجماعا، فالعدو الصائل الذي يفسد الدين والدنيا لا شيء أوجب بعد الإيمان من دفعه، فلا يشترط له شرط، بل يدفع بحسب الإمكان) [[1] ].
وإنما ذكرنا هذه المقدمة المختصرة لندفع عن الأذهان ما تتوهمه من حصر مفهوم العدو الصائل في جيش كافر جرار يغزو بلادا من بلدان المسلمين، لأن العلماء وهم يقررون ويبينون كيفية التعامل مع الصائلين إنما نظروا إلى ما يترتب عن التباطؤ والتريث في دفعهم من المفاسد الفظيعة والأضرار الجسيمة التي ستحل بالبلاد والعباد، فالشاهد من هذا أن الطاغية القذافي قد تكفل بأداء المهمة التي كانت من قبل تجر لها الجيوش وتقطع الصحارى والبحار وتهجر الأوطان والديار، فهو الآن يقوم بعملية مسخ الهوية الإسلامية وزرع كراهية الإسلام
(1) الفتاوى الكبرى: 1/ 236