جوهر السحر (19) . إن مهنته المتضمنة لمعنيين قادته إلى نوع آخر من السحر، لم تعد له علاقة بصراخ الجماهير الذى لا حد له، فقد حول الألم إلى جمال. فقد عبرت شكوى الفرد من الخسارة، التي لا تعوض، عن حزن الخليقة كلها ووجدت العزاء فيها. وولد الجمال عندما انتهى الإيمان بالكهنة والعرافين.
كان ثمة قضاء غامض رافق أورفيوس حتى النهاية، فقد مزقته المخبولات، زميلات ديونيزوس، وأرسلن رأسه المغني مع القيثارة سِباحةً إلى ليسبوس، مدينة الشاعرة صافو. ومن خلال ذلك تم التعبير رمزيا عن أهمية الشاعر، الذى جعل الشعر فنا ممكنا، ولكنه كان يهيئ له، ذلك أن المخبولات تغلبن عليه ـ وغضب النشوة القديم هذا هو الذى قامت عليه الطقوس الديونيزوسية فيما بعد. وإذا كانت المخبولات قد قتلنه، فإن ذلك يعد تعبيرا عن التناقض الدائم بين الحماس الديني والحماس الشعري (20) .
وهناك أيضا خبر عن السحرة الكبار ورد في الأدب الكلتي، وأشهرها أسطورة ميرلين (Merlin) ، التي يهب منها سحر التصوف الطبيعي. ويقال إن ميرلين، أورفيوس الكلتي هذا، كان من رجال المائدة المستديرة في قصر الملك أرتوس (آرثر) ، ويعتبر ساحرا عالما بكل شيء، أستاذ الشعر والموسيقى والفلك وكل الأسرار الطبيعية. وأول صفة من صفات ميرلين هي صفة الضحك حتى وهو يقوم بأعماله السحرية، وكان يعاني من الشوق إلى الغابات الخضراء، وكان يعيش في الغابة كارها للبشر، وقد ظل اختفاؤه لغزا على اختلاف الروايات، وكان قد ذهب ضحية فن السحر، فقد غلب الحب السحر الأكبر (21) .
لقد اختفى في أسرار الغابة، هذا الاختفاء الشيطاني في المحدود. وهنا يكمن السحر الخالد لهذه الشخصية وهو من موضوعات الحب الصوفي عند العديد من الشعراء. ويتحدث صوت ميرلين من شعر الغابة في المدرسة الرومانسية الألمانية. فيوزف آيشندورف) 1788 - 1857 (يذكرنا بالساحر الكبير في قصيدته"في الغربة"دون أن يذكر اسمه حين يقول(22) :