فهرس الكتاب

الصفحة 9 من 22

ولعل الأنصبة الحجرية البريطونية في فرنسا قد حركت بهذه الطريقة. إن طريقة التفكير السحري القديمة قد زادت من قوة تأثير الأغنية الهادفة. ولا شك أن أساتذة الحديث المثير للحماس هم الذين كانوا يقودون هذه الجوقات وكانوا شبيهين بالعرافين. وبما أنه لم يكن يوجد في ذلك الحين ما لا يتطلب تحضير الأرض، فقد كان فنهم قوة تتحكم في المصير كله، مصير الناس (16) .حقا إن فن السحر يلقي على الحياة الساذجة ضوءا ضئيلا من الشعر الساذج. إن الزنوج الأفارقة يوقظون قواربهم قبل السفر بالأغاني والطبول وينيمونها بعد عودتهم بالأغاني أيضا، ويخاطبون المزرعة قبل الزرع، والحليب الجديد، والمولود الجديد، والكواكب المشرقة، والأعداء المقتربين، والسحب المطيرة وما أشبه ذلك، ولا بد أن تكون هذه العادة قديمة (17) .

لكن الضوء الشعري لهذه الحياة وهم عاطفي، فالحقيقة أن الخوف من الشياطين موجود في كل مكان تسيطر عليه، فليس فيه حرية، ولا جمال، ولا فن بمعناه الرفيع، وليس أكثر من صور وهمية عن الشهوة الغريزية التي لا حل لها. فالشعر السحري يبقى في هذه القيود، فهو يستهدف إثارة غرائز الجماهير وإضعافها ويصل قمته في عنف الراقصين و الصيادين والمحاربين الذين يعيشون قمة حياتهم ضمن الجماعة وفي ثورة مزاج المتعصبين الدينيين والسياسيين، هذا الشعر يعد أقدم طبقة وأدنى طبقة من طبقات الشعر (18) .

وأرفيوس لا يمثل هذا الشعر، وإنما يمثل أول خطوة في الخروج عنه، فأسطورته جميلة، وجمالها لا يتناسب مع الإيمان الساذج بالشياطين، والغريب فيه أنه كان مأساويا، إذ فشل بفنه السحري الكبير إعادة زوجته أويريديكا إلى الحياة، وعاد إلى الأرض خائبا، ولكنه كاد ينتصر على الموت، وهذا ما رفع مجدَه بوصفه شاعرا. عندها فقط أصبحت أغنيته ذات نغمة تثير العالم والدنيا، ولذلك لم يكن أورفيوس ساحرا منتصرا، وإنما كان إنسانا معذبا، تجسم فيه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت