يعرف أية حدود يقف عندها. كانوا يريدون بالدرجة الأولى أن يفعلوا ما هو عجيب، وما هو غير الواقعي. وكانوا يريدون قبل كل شيء أن ينقلوا شيئا من الإيهام الذى وقعوا فيه إلى مستمعيهم. لقد فتح هذا مجالا غير محدود للإبداع والوهم والادعاء والجذب والخداع ـ بما في ذلك خداع النفس. وكانت هذه المهنة المقدسة أيضا من نصيب المخادعين والخبثاء. كانت الشيطنة والجريمة متقاربتين جدا في كل العصور. كان المخادعون يستعملون قدراتهم الجبارة في تمجيد أنفسهم ولإرهاب الأتقياء للوصول إلى الكسب، مصورين لهم طريق الفساد بوصفه رحلةً إلى الجنة. إن سوء استعمالهم الشيطاني للسحر قديم قدم السحر نفسه (14) .
إن السحر، الذى سحر به أورفيوس الحيوانات والصخور والغابات لا يعبر فقط عن تجربة داخلية، و إنما يعبر أيضا عن خلفية تاريخية. فالحقيقة أن الكلمة الملحنة، خصوصا إذا صاحبتها حركات جسدية إيقاعية، لها قوة مثيرة ساحرة، تبعث على النشاط والحيوية والحياة. ونجد اليوم دليلا على ذلك في الأغاني، التي تؤدى أثناء السير أو العمل أو السمر، وهذه حاجيات تأثيرية عرفها القدماء. لقد كانوا يعرفون أن الغناء قادر على تنمية الطاقات الجسمية والروحية، فاستفادوا من هذه المعرفة إلى أبعد حدود الاستفادة. ولا تزال الشعوب الطبيعية إلى اليوم تنتج بآلات قاصرة ما يبدو مستحيلا، لأنها تنظم عملها إيقاعيا وتغني أثناء ذلك، فيوقعون وهم يغنون الأشجار الجبارة ويقتلون الحيوانات الخطيرة، تنسج السجادات في الشرق أثناء الغناء. وكان هذا هو المقصود أيضا عندما يحرك أورفيوس الصخور والغابات ويجمع الحيوانات حوله. إنها تصف نتائجها إلى جانب الحماس لها: قطع الأشجار، ترويض الحيوانات المفترسة، بناء المدن، معالجة المرضى، والقضاء على الأعداء الإنسانيين والحيوانيين عن طريق الأغاني التي تحدد بالقوة (15) .