إن نشوة أورفيوس ليست مجرد مجاز، فخلفها الحقيقة التاريخية لجوهر السحر، فشخصيته تقرن اليوم بالعرافة، تقرن بذلك العراف الساذج، الذى يوجد فوق الأرض كلها، ذلك الذى امتهن حرفة استحضار الشياطين لإبعاد الضراء، ولمعالجة المرضى، وقيادة الموتى إلى العالم الآخر، واستشراف الماضي والحاضر. لقد كان العرافون ضروريين بالنسبة إلى الشعوب الرعوية والصيدية في العصور القديمة، لأنهم كانوا قادرين على الدخول إلى مملكة الأرواح ومعاشرة القوى المستترة. كانوا ينتقلون عن طريق الرقص والموسيقى، عن طريق الأبخرة المخدرة، وتعاطي بذور القنب ـ ينتقلون إلى جو من النشوة السامية، ويمضون، وقد علقوا التمائم (التي تساعدهم على قهر الشياطين) في رحلة إلى العالم الآخر، ويحاربون الشياطين أثناء الطريق، ويجلبون طلسما من هناك وبعودون من هذه الأخطار العجيبة إلى الأحياء وكأنهم قد نهضوا من كابوس رهيب (11) .
ورحلة أورفيوس إلى عالم الموتى هي رحلة إلى الآخرة من هذا النوع. وإلى جانب العرافين كان هناك المخطوفون، الذين كانوا يجدون لأنفسهم طريق الدخول إلى عالم الأرواح عن طريق السموم المقدسة والجراح في حالة من السعر العنيف (12) . كان هؤلاء الرجال يكرسون حياتهم لأعمق الرغبات، التي يمكن أن تكون في حياة الإنسان. لقد أزالوا بأنفسهم حدود وجودهم الشخصي ووضعوا أنفسهم داخل الطبيعة، حيث يتمكنون من الحصول على جزء من القدرة الخارقة، التي تعيش بها الخليقة. وفي حالة من مثل هذه الحالات استطاعوا أن يفعلوا من الأشياء ما هو فوق الطبيعة أو مناف للطبيعة (13) .
وتعد أغاني العرافين أقدم نوع من أنواع الشعر الملحمي، فقد تحدث قاهرو الشياطين بعد عودتهم عن تجاربهم في العالم الآخر، فوصفوا مخاوف المناطق، التي مروا بها ومسراتها، وتحدثوا عن التقائهم بالشياطين وعما تبادلوه من أحاديث مع الموتى. وكان ما رووه يناقض الحقيقة الدنيوية مناقضة تامة، فخيالهم لم يكن