كانت فيه دعائم العقلانية قوية (35) . فمنذ منتصف القرن الثامن عشر ظهرت في فرنسا وإنجلترا حركة معارضة للكلاسيكية المتعجرفة تحمل معنى أعمق عن الإنسان وعن الثقافة. كانت الكلمة للمربين والمعلمين والفلاسفة الشعبيين وأدباء الصالونات. وفي تلك اللحظة ظهرت ذكرى نقيضهم المعلق: ذكرى الساحر، الذى يحطم الحدود بين الإنسان والإله. الرومانسية تتجه كلها إلى النشوة، فهي شعر النشوة والأسرار، والغيبوبة. وعاد إلى الظهور أصل السحر المنسي، كان الشعراء يبحثون عنه، ومعه ظهرت عادات العصور الساذجة في الواقع وفي الفن، فبدأ الشعراء يعبرون عما هو ساحر ويستحضرون الأرواح ويثيرون الخوف والرعب، كما يثيرون الشهوة والنشوة. فأخذوا يعلمون السحر ويتعلمونه، لا فرق في ذلك بين سحر الشكل وسحر الكلمة في الإيقاع والألحان والصور.
كانت الرومانسية مناقضة للتفكير العقلي، وكان التفسير العلمي للحياة والفن يقف قبالتها على شكل جدار من الأوهام. و قامت على تناقض خاص بها، كانت وظيفته أن يدفعها إلى الإفراط في التعبير، الذى ينتج عنه في إطار اللغة نفسها كثير من التناقض والتهكم والسخرية (36) . فلم تعد للحياة الحديثة أصولها القديمة، وتخلت عن سحريتها وسذاجتها، وكانت الرومانسية نفسها تعيش صراعا داخليا بين نمط التفكير المناسب للعصر والشعور، الذى لم يعد له حدود. فكانت صرخة ضد نزع السحر عن العالم وشوقا إلى العالم القديم الضائع، ولكن المسافة بينها وبين الأصل كانت بعيدة جدا، والصور القديمة للحياة الصافية تشع لها عن بعد، يثير فيها اللذة والرعب. لقد حرص ظهور شكسبير في إنجلترا على ألا تموت النظرة إلى لغز الشعر تماما. فقد عاد النقد الأدبي من جديد إلى الاهتمام بقوة السحر، فرأى في شكسبير"عبقرية طبيعية"لا قواعد لها ولا علاقة لها بالأدب العادي (37) .
تكلم الناقد الإنجليزي شيفتسبيري (Shaftesbury) عن الشاعر الذى يبدع متأملا، ولذلك ربيب الآلهة، إنتاجه تصوير في آن واحد، يعلو على التناقض بين