الصفحة 36 من 76

ثَمَّ فلا يستطيعُ أنْ يفهمَ حضارةً ما حقَّ الفهمِ مَنْ يَجهلُ وَسيلتها اللغويةَ في التعبيرِ" (35) ، فاللغةُ"تُعدُّ من أصدقِ الوسائلِ، وأدقها في الكشفِ عن طبيعةِ المجتمعاتِ، وسِماتها الحضاريةِ" (36) ."

البحثُ في اللغةِ عميقٌ بعمقِ التاريخِ الإنساني المُمتدِّ على هذهِ الأرضِ، فعلى الرُّغمِ من كون الحديثِ عن أوَّليةِ اللغةِ، ومصدرها باتَ من المُحرَّماتِ؛ لِعدمِ الفائدةِ المرجوةِ منهُ، ولأنَّها"لا تَقبلُ حَلًا عَمليًا في الحَالةِ الراهنةِ لِمعلوماتنا" (37) إلاَّ أنَّ البعضَ؛ بين وقتٍ وآخرَ، يحاولُ التسللَ لِلإجابةِ على هذا التساؤلَ.

أوَّليةُ اللغةِ، أو مَصدرُها أمرٌ غيرُ مُقلقٍ، فلنْ تُشكِّلَ فارقًا وقتَ الاستعمالِ، بلِ المُعوَّلُ عليهِ قوانينُها الدَّاخليةُ؛ العاملةُ على تنظيمِ حركةِ الكلماتِ في الجملةِ؛ مما يُفرزُ نُصوصًا مُتَنَاسِقَةً تُؤدي الغرضَ المقصودَ مِنها.

لو أردنا تَقريبَ الصُّورةِ قليلًا، فإننا سوفَ نَضربُ مِثالًا من عالمِ الطَّبيعةِ؛ للتوضيحِ لا للتشبيهِ، والتَّمثيلِ: إنَّ"المَجموعةَ الشَّمسِيةَ"تَسيرُ على نِظَامٍ مُعينٍ مُنذُ الأزمانِ القديمةِ، فهي"مُنظَّمةٌ"في ذاتِها، ولو عَجزنا نحنُ عن إدراكِ هذا النِّظامِ، فليسَ معنى هذا أنَّها غيرُ مُنظَّمةٍ، ولو اِتضحَ لنا بعدَ زمنٍ أنَّ في وَصفِنا لِهذا النِّظامِ، وَتقريرِنَا لِحقائقهِ خطأٌ أو أخطاءٌ، فليسَ يعني هذا، ولا يَنجُمُ عنهُ بالضَّرورةِ أنَّ نِظامها قّدْ أصابهُ الاختلالُ، وَعراهُ الخطأُ. إنَّها شيءٌ مُنظَّمٌ بِطبعهِ، ثُمَّ يأتي عَالِمٌ فَيصفُ هذا النِّظامَ، أو يُحاولُ وَصفهُ حسبَ ما أُوتِيَ من"عِلمٍ" (38) .

السؤالُ المتبادِرُ إلى أذهانِنا؛ الآنَ: ما اللغةُ؟ (39) وكيفَ أصبحَ لها هذا التَّنظيمُ؟

"اللغةُ نِتاجٌ اِجتماعيٌّ لِملكةِ اللسَانِ، ومَجموعةٍ من التقاليدِ الضروريةِ التي تبنَّاها مجتمعٌ ما؛ لِيُساعدَ أفرادَهُ على مُمارسةِ هذهِ المَلكةِ" (40) ، فهي"مَوجودةٌ على هيئةِ ذَخيرةٍ من الانطباعاتِ مخزونةٍ في دِماغِ كُلِّ فردٍ من أفرادِ مُجتمعٍ مُعين: وَيكادُ ذَلكَ يُشبهُ المُعجمَ الذي تُوزعُ مِنهُ نُسخٌ على كُلِّ فردٍ في المجتمعِ، فاللغةُ لها وُجودٌ في كُلِّ فردٍ، ومعَ ذلكَ، فَهي موجودةٌ عندَ المجموعِ" (41) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت