الصفحة 37 من 76

أو هي"أصواتٌ يُعبرُ بها كلُّ قومٍ عن أغراضِهم" (42) ، بحسبِ التعريفِ العربيِّ القديمِ، فاللغةُ والمجتمعُ والحضارةُ ظواهرُ متداخلةٌ مُتكاملةٌ (43) ، ولا يُمكنُ بِحالٍ من الأحوالِ الفصلُ بينهم.

تتنوعُ التعريفاتُ، وتتعددُ، فلكلِّ عالمٍ لُغويٍّ تعريفٌ للغةٍ، يتفقُ قليلًا، أو يختلفُ عن الآخرِينَ، لكنَّ اللافتَ لِلنظَرِ اِتفاقُهم، أو غَالبيتُهم، على أهميةِ اللغةِ، وصِلتِها بالفردِ، والمجتمعِ.

يَكتسبُ الفردُ لُغتَهُ صَغيرًا، فتَنمو مَعهُ؛ وتَزدادُ حَصيلَتُهُ اللغويةُ كُلما اِحتكَّ بالأفرادِ الآخرِينَ، ولا تتوقفُ قطُّ عن النُّمو، إلاَّ بِفَناءِ صاحِبها، ومَوتهِ.

الجانبُ البشريُّ مُعقَّدٌ جدًا، تَمايُزاتٌ، اِختلافاتٌ، عِراكاتٌ، رَغباتٌ، أهواءٌ، وهلمَّ جرا، واللغةُ من هذا الجانبِ مُعقَّدةٌ أشدَّ التعقيدِ، فَهي اِنعكاسٌ نَفسيٌّ، وتَلبيةٌ لِرغباتٍ داخليةٍ قَبلَ أيِّ شيءٍ آخرَ (44) .

قِياسًا على تَعقيدِ النفسِ البشريةِ، نَجدُ المجتمعَ في اِستعمالهِ اللغويِّ أشدَّ تعقيدًا من ذلكَ بِكثيرٍ، حيثُ تتضخمُ الذاتُ الفرديةُ، وتتحولُ إلى اِتِّجَاهَاتٍ مُتَنَاوِئَةٍ؛ مُتَعَاكِسَةٍ في النَّظرِ إلى الأمورِ، كما أنَّ النَّظرةَ تتمددُ، وتتسعُ؛ لِتشملَ مُختلفَ الشرائحِ البشريةِ في المجتمعِ.

تَعقيدُ اللغةِ إنما ينصبُّ في كونها"نِظامًا"تتشابكُ العلاقاتُ بينَ وَحداتهِ (45) التي يتكونُ منها، وأهمُّ وِحدةٍ فيهِ؛ الفردُ، ثمَّ المجتمعُ.

يَستحيلُ وُجودُ اللغةِ لَدى فردٍ واحدٍ بَمعزلٍ عن مجموعةٍ بَشريةٍ (46) ، ولِذا اِعتُبرتْ"نِظامًا"، فالنِظام لا يُوجدُ إلاَّ في جَماعةٍ ما.

النِّظامُ شيءٌ معقدٌ لا يُمكنُ فَهمهُ إلاَّ بعدَ التأمُّلِ (47) فيهِ، وهذهِ اللغةُ يَستحيلُ إدراكُها كُلُّها إلاَّ بعدَ التأمُّلِ فيها، بل رُبما اِستحالَ إدراكُها كُلُّها حتَّى معَ التأمُّلِ العميقِ؛ إذْ يَبدو من المُحالِ إلمامُ أحدٍ بِجميعِ جوانبِ اللغةِ مهما بلغَ ما بلغَ.

ما النِّظامُ الذي نَتحدثُ عنهُ في اللغةِ؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت