تتميزُ اللغةُ بصفةٍ بارزةٍ؛ غريبةٍ، وهي عدمُ اِمتلاكِها كِياناتٍ يُمكنُ رُؤيتَها منذُ البدايةِ، ومع ذلكَ لا نشكُّ أنَّ هذهِ الكياناتِ موجودةٌ، وإنَّ وُجودَها يتوقفُ على عَملِها (48) .
لولا اللغةُ أصبحتِ الفكرةُ شيئًا مُبهمًا، غيرَ واضحِ المعالمِ؛ إذْ لا تُوجدُ أفكارٌ يسبقُ اللغةَ وُجودُها (49) ، ولا تتميزُ هذهِ الأفكارُ قبلَ ظُهورِ اللغةِ (50) ، فالشيءُ؛ الفكرةُ لا يَسبقُ وِجهةَ النَّظرِ، بل إنَّ وِجهةَ النَّظرِ، على ما يبدو هي التي تَخلِقُ الشيءَ؛ الفكرةَ (51) .
"اللغةُ، لَها كِيانٌ مُوحَّدٌ قائمٌ بِذاتهِ، فهي تَخضعُ لِلتصنيفِ، وهذا التصنيفُ يُضفي نِظامًا طبيعيًا على كُتلةٍ غيرِ مُتجانِسةٍ هي اللسانُ" (52) .
النَّظامُ اللغويُّ مُتشعبٌ؛ وحيثُ أننا نتعاملُ مع اللغةِ باللغةِ، ونشرحُ اللغةَ باللغةِ، فإنَّ الأمرَ يزدادُ صُعوبةً.
تَحتوي اللغةُ مجموعةً من الأنظِمةِ في دَاخِلها (53) ، إذْ تُوجدُ الأنظِمةُ الصوتيةُ، والنحويةُ، والصرفيةُ؛ التي تُعتبرُ الأساسَ لِبقيةِ الأنظِمةِ؛ حيثُ تأتي الأنظِمةُ التواصُليةِ؛ أو الاتصاليةِ بما تَحملُ مَعها من بلاغياتٍ، ولُغوياتٍ، ولسانياتٍ، فاللغةُ من حيثُ هي وَظيفةٌ إنسانيةٌ تتبدَّى في أشكالِ نُظُمٍ إنسانيةٍ اِجتماعيةٍ تُسمى اللغاتُ، أو"اللهجاتُ"، أو أيَّ اِسمٍ آخرَ (54) .
إنَّ كُلَّ نِظامٍ يتفرعُ كالشجرةِ إلى أنظِمةٍ صُغرى (55) تُساعدُ في بِناءِ الكلمةِ، أو الجُملةِ، أو النَّصِّ، وهي كُلُّها روافدُ الخِطابِ؛ خِطابِ اللغةِ؛ الحاملِ لِلمعنى (56) .
اللغةُ، اللِسانُ، الكلامُ (57) مُصطلحاتٌ ثَلاثةٌ مُتكاملةٌ؛ فاللغةُ ظاهرةٌ إنسانيةٌ عامةٌ (58) يَشترِكُ فيها جميعُ الأفرادِ، فهي"كيانٌ عامٌ يَضُمُ النَّشاطَ اللغويَّ الإنسانيَّ، في صُورةِ ثَقافةٍ مَنطوقةٍ، أو مَكتوبةٍ، مُعاصِرةٍ أو مُتوارَثةٍ، وبِعبارةٍ أُخرى: كُلُّ ما يُمكنُ أنْ يَدخُلَ في نِطاقِ النَّشاطِ اللغويِّ من رمزٍ صَوتيٍّ أو كِتابيٍّ، أو إشارةٍ أو اِصطلاحٍ (59) ."