الصفحة 40 من 76

"اللغةُ بِحكمِ طَبيعَتِها العُرفيةِ والقانونيةِ والمُؤسساتيةِ، وبِحكمِ سُلطتِها وقوةٍ كَلماتِها، تَكونُ مُلزِمةً لِلأنا والآخَرِ، وبِعبارةٍ أخرَى تُستعملُ لِلإلزامِ والالتِزَامِ، وسَتتجلى لنا سُلطةُ اللغةِ أو سُلطةُ الكلامِ بِشكلٍ أكبرَ عِندما نَقفُ عِندَ بَعضِ المَعاييرِ والمَبادِئِ التي تُعتَمدُ عادةً في التَّصنيفِ والتَّمييزِ بينَ الأفعالِ اللغويةِ" (69) ، ولعلَّ أهمَّ المَعاييرِ التَّصنيفيةِ ذلكَ النَّمطُ"الذي يَجعلُ فيهِ المُتكلمُ الواقعَ مُطابقًا لِكلماتهِ" (70) .

"إننا نَستعملُ اللغةَ لإنجازِ أفعالٍ عَديدةٍ، ولِتغييرِ الواقعِ أو تَغييرِ عَلاقَتِنا مَعَهُ ولِلتأثيرِ في الغيرِ وفي الأشياءِ، ومِنْ هُنا سُلطتها وسُلطانها، وقوةُ كَلِماتها" (71) .

إنَّ"لٍلكَلامِ سُلطانًا ما بَعدَهُ سُلطانٌ"، وإنَّ"لِلكلِماتِ قوةً عَظِيمةً لا تُخفى، وتَأثيرًا قَويًا لا يُنكرُ" (72) .

الكِيانُ الكاملُ مُحتاجٌ إلى رَبطٍ عَميقٍ بِالذَّاكِرةِ البَشَريةِ؛ لِتَعودَ إليهِ وَقتَ اِحتِياجها، فَلا يَكفي العُرفُ في تأسيسِ هَذا الرابطِ، بَل إنَّها تَحتاجُ إلى عَقدٍ مَكتوبٍ يَعودُ إليهِ المُتحدِّثونَ؛ كُلَّما أشكَلَ شيءٌ عَليهِم، ويَتَمثلُ هَذا العقدُ في ما اصطُلِحَ على تَسميتهِ بالـ"مَعاجمِ".

المعجمُ وِحدةٌ ذَاتُ أهميةٍ بالغةٍ في حِفظِ الكِيانِ وأسُسِهِ، فَالمَراحلُ التاريخيةُ المُتعاقِبةُ أفرزَتْ ألوانًا مُتعدِّدةَ التَّغيراتِ اِحتواها الـ"مُعجمُ"، ونظَّمَها (73) ، ثمَّ أعادَ إخراجها وِفقَ أسُسِهِ المَرحليةِ، التي هي أساسًا مُتوافقةٌ مَعَ أسُسِهِ الكُليةِ.

"إنَّ تَعدُّدَ المَفاهيمِ التي يَدلُّ عَليها اللفظُ تَعني أنَّ هَذا اللفظَ لَهُ مَعنىً مَركزيٌّ هو (النَّواةُ) ، ومَعانٍ هَامشيةٍ ثَانويةٍ اِكتسبها بِفعلِ دَورانهِ المُتجدِّدِ في أنْساقٍ كَلاميةٍ مُختلفةٍ، حَتى أضحَى المَعنى المَركزيُّ يَدورُ في فَلكِ المَعانيِّ الثَّانويةِ التي لا تَفاضُلَ بَينها وأصبحَ طَريقُ رَفعِ اللبسِ فِي الدِّلالةِ يَمرُّ عَبرَ السِّياقِ اللغويِّ أو الخَطابيِّ أو مُعاينةِ المَقامِ الذي يَتمثَّلُ في المُعطياتِ الخَارجيةِ والنَّفسيةِ" (74) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت