أيضًا، تُوجدُ رُموزٌ ذَاتُ تأثيرٍ قَويٍّ رُغمَ عَدمِ اِمتِلاكها رَصيدًا دِينيًا، مِثلَ"النُّقودِ" (109) التي تُعتبرُ"تَجريداتٍ بَالغةَ القوةِ" (110) ؛ لِامتِلاكِها تأثيرًا مُباشِرًا، ومَلموسًا في حَياةِ الأفرادِ، حَيثُ"تَحكمُ حَيواتِنا عن طَريقِ الذينَ يُسيئونَ اِستعمالها، أيْ الذينَ يَبرعونَ في اِستعمالها اِستعمالاتٍ مُضَلِّلةٍ" (111) .
الحَديثُ عن الأنساقِ؛ كَنَسقِ المُوضَةِ، أو عن الرُّموزِ؛ كَالنُّقودِ، هو حَديثٌ عن"مُركَّباتٍ ثَقافيةٍ" (112) نُمارسُ حَيواتِنا من خِلالها وبِها وَفِيها وعَبرها؛ إنَّها كُلُّ الأشياءِ التي تُحيطُ بِنا، كَما أنَّها كُلُّ الأشياءِ المَوجودةِ في أذهاننا، فالكِيانُ الثَّقافيُّ شُموليٌّ سُلطويٌّ.
تَعملُ اللغةُ على اِختزالِ الأنساقِ في عَلاماتٍ تُمثِّلُها، تَتخذُ شَكلًا رَمزيًا، يُشيرُ إلى النَّسقِ وبهِ يَتمُّ التَّداولُ بَينَ الأفرادِ، فالإسلامُ (113) مُفردةٌ لَفظيةٌ اِختزلتِ الرِّسالةَ النَّبويةَ بأجمَعِها، والمُوضَةُ اِختزلتِ المَعاييرَ الجَماليةَ لِلمجتمعِ، والنُّقودُ اِختزلتِ السُّلطةَ في دَاخلِها.
كُلُّ"المُركباتِ الثَّقافيةِ"التي اِختَزلتها اللغةُ، صَارَ لها وُجودٌ مُجتمعيٌّ؛ لأنَّ اللغةَ لا تَنفصلُ عن المُجتمعِ، بَل إنَّ المُجتمعَ بِذاتهِ يَتحوَّلُ إلى"مُركَّبٍ ثَقافيٍّ"بَعدَ مُرورِ أعوامٍ طَويلةٍ؛ طَويلةٍ جدًا.
بَعدَ تَحويلِ الأنساقِ، والرُّموزِ إلى مُركَّباتٍ ثَقافيةٍ، بِواسطةِ اللغةِ؛ إذْ تَعملُ على تَدوينِ"التُّراثِ الثَّقافيِّ، وتَحتفظُ بِهِ جِيلًا بَعدَ جِيلٍ" (114) ، تَبدأُ مَرحلةٌ جَديدةٌ؛ هي عَمليةُ الإنتاجِ؛ إنتاجِ دِلالةٍ تَتلاءَمُ مَعَ حَياةِ الأفرادِ المُتعاملينَ بِاللغةِ؛ حَيثُ تُمارِسُ سُلطتها في إعطائِهم النَّمطَ المَرغوبَ.
يَتحولُ"المُركَّبُ الثَّقافيُّ"بَعدَ اِختِزالهِ إلى"مُنتجٍ ثَقافيٍّ"، تَمدّ اللغةُ أذرُعَها حَولهُ، حَيثُ تَحتويهِ؛ لِكونهِ"قِيمةً"لُغويةً في الأساسِ، ثُمَّ اِجتماعيةً بَعدَ ذَلكَ.
أبرزُ، بَلْ أضخَمُ"مُنتجٍ ثَقافيٍّ"عَربيٍّ؛ هو الإسلامُ؛ لأنَّهُ اِختزلَ تُراثَ، وفِكرَ الأمةِ الإسلاميةِ، التي هي في الأساسِ خَليطٌ شَعبيٌّ، وأُمَمِيٌّ مُختلِفٌ (115) .