الصفحة 47 من 76

لَم تَعُدْ لِلقبيلةِ في المُنتجِ الإسلاميِّ أهميةٌ مِثلما كَانت في المُركَّبِ الجاهليِّ؛ إذْ كانت قِيمةُ القَبيلةِ آنذاكَ عاليةٌ جدًا، بل رُبَّما كَانتْ الأعلى قِيمةً، بَينما في الإسلامِ اِحتفظَتْ بِبعضِ قِيمتها (116) ؛ لَمْ تَغِب تَمامًا عن المَشهدِ الثَّقافيِّ، لَكنها أيضًا، لَمْ تَعدْ بِذاكَ التأثيرِ.

الإسلامُ في بِدءِ أمرهِ كانَ نَسقًا نَشازًا في السِّياقِ اللغويِّ الثَّقافيِّ العَربيِّ؛ فالسِّياقُ الجَاهليُّ يَتميزُ بِالطَّبقيةِ، وتَقسيمِ الأفرادِ إلى سَادةٍ وعَبيدٍ (117) ، كَما وُجِدَتْ حَساسيةٌ شَديدةٌ تِجَاهَ الأجْنَاسِ البَشريةِ المُنتَميةِ إلى سِياقاتٍ أُخرى؛ مُخالفةٍ؛ لا تَنتمي إلى السِّياقِ اللغويِّ العَربيِّ.

الطَّبقيةُ الجَاهليةُ لَزِمتها، وسَاوَقتْها طَبقيةٌ لُغويةٌ، فألفاظُ السَّادةِ تَختلِفُ عن ألفاظِ العبيدِ، وسُلوكِياتُ السَّادةِ مُغَايرةٌ لِسُلوكياتِ العبيدِ.

إنَّ التَّفاوتَ بينَ طَبقاتِ المُجتمعِ كَثِيرًا مَا يُؤدِّي إلى"نُشُوءِ لُغاتٍ سِرِّيةٍ عَاميةٍ، هي بِنَوعٍ خَاصٍ لُغةُ الأشقياءِ والخَارجينَ على القانونِ مِمَّنْ يَعيشونَ في خَوفٍ دَائمٍ مِن سَطوتِهِ، لأنَّهم يَحيونَ حَياةً على هَامشِ المُجتمعِ" (118) .

هَذهِ الطَّبقيةُ بِذرةٌ أُولى في طَريقِ بِناءِ النَّسقِ الجَديدِ، فالمُؤكدُ"أنَّ التَّغيُّرَ الاجتماعيَّ في بِيئةٍ من البِيئاتِ يَتبعُهُ تَغيُّرٌ في شَيءٍ من اللغةِ المُستعملةِ في تِلكَ البِيئةِ" (119) .

من أسبابِ تَغيُّرِ المَعنى"التَّطورُ الاجتماعيُّ والثَّقافيُّ" (120) ، الذي"قَدْ يَكونُ في شَكلِ اِتفاقِ مَجموعةٍ فَرعيةٍ ذَاتِ ثَقافةٍ مُختلفةٍ على اِستخدامِ ألفَاظٍ مُعينةٍ في دِلالاتٍ تُحدِّدُها تَتماشَى مَعَ الأشياءِ والتَّجارُبِ والمَفاهيمِ المُلائِمةِ لِمهنِها أو ثَقافَتِها، وقَدْ يُؤدِّي هَذا إلى نُشُوءِ لُغةٍ خَاصةٍ" (121) .

"إنَّهُ لَمِن لمَعروفِ أنَّ الثَّقافةَ الرَّسميةَ السَّائِدةِ تَتواطَأُ مَعَ السُّلطةِ، وتُستَخدمُ من قِبلِ هَذهِ الأخيرةِ في تَسويغِ أفعَالِها فِيما تُطُّورُ الثَّقافاتُ المَحليةُ أنواعًا مُختلِفةٍ مِن الرَّفضِ وعَدَمِ القَبُولِ" (122) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت