إذ يقول الجرجاني: (( هو باب كثير الفوائد جم المحاسن، واسع التصرف بعيد الغاية لا يزال يفتر لك عن بديعة ويفضي بك إلى لطيفة، ولا تزال ترى شعرا يروقك مسمعه، ويلطف لديك موقعه ثم تنظر فتجد سبب أن راقك ولطف عندك أن قدم فيه شيء وحول اللفظ من مكانه إلى مكان آخر ) ) (3) .
والتقديم عنده على وجهين: تقديم يقال: إنه على نية التأخير وذلك في كل شيء أقررته مع التقديم على حكمه الذي كان عليه وفي جنسه الذي كان فيه. مثل خبر المبتدأ إذا قدمته عليه والمفعول إذا قدمته على الفاعل كقولنا: منطلق زيد، وضرب عمرا زيد ومعلوم أن (منطلق) و (عمرا) لم يخرجا عما كانا عليه. (4)
(( وتقديم لا على نية التأخير ولكن على أن تنقل الشيء عن حكم الى حكم وتجعل له بابا غير بابه ) ) (5) .
أما غرض التقديم فقد صرح به اأبن الأثير (ت 637 هـ) بقوله: (( إن التقديم قد يكون لغرض مراعاة نظم الكلام وذلك أن يكون نظمه لا يحسن إلا بالتقديم وإذا أخر المقدم ذهب ذلك الحسن، وهذا الوجه أبلغ و أوكد من الاختصاص ) ) (6) .
وقد ذكر القزويني (ت ... هـ) أن المفعول به يتقدم على الفاعل (( لأن ذكرهُ أهم والعناية بهِ أتم، فأنت تقدم المفعول به على الفاعل إذا كان اهتمامك منصبا على من وقع عليه فعل الفاعل لا الفاعل نفسه ) ). (7)
وبما أن محور الكلام يرتكز على الرتبة (الترتيب) فلابد من أن يمر هذا البحث في مجالين:
الأول: مجال حرية الرتبة حرية مطلقة.
الثاني: مجال الرتبة غير المحفوظة.
أما الرتبة المحفوظة فهي من اختصاص النحاة لأن هذه الرتبة لو اختلت لاختل التركيب بسببها ومن هنا تكون الرتبة المحفوظة قرينة لفظية تحدد معنى الأبواب المرتبة بحسبها ومن الرتب المحفوظة في التركيب العربي: (8)
1.أن يتقدم الموصول على الصلة والفعل على الفاعل.
2.أن يتقدم الموصوف على الصفة.
3.أن يتأخر البيان عن المبين.
4.أن يتأخر المعطوف بالنسق عن المعطوف عليه.
5.أن يتأخر التوكيد عن المؤكد.
6.أن يتأخر البدل عن المبدل منه.
7.أن يتأخر التمييز عن الفعل.
8.صدارة الأدوات في أساليب الشرط والاستفهام والعطف والتخصيص ونحوها.
ويرى الدكتور تمام حسان ان هذه الرتبة (المحفوظة) هي التي دعت النحاة إلى صياغة عبارتهم الشهيرة: (( لا يعمل ما بعدها فيما قبلها ) ) (9) .
(( ومن الرتب المحفوظة تقدم حرف الجر على المجرور وحرف العطف على المعطوف وأداة الاستثناء على المستثنى وحرف القسم على المقسم به و واو المعية على المفعول معه والمضاف على المستثنى وحرف القسم على المقسم به ) ) (10) .
أما الرتب غير المحفوظة في التركيب فهي رتبة المبتدأ والخبر ورتبة الفاعل والمفعول ورتبة الضمير والعائد عليه ورتبة الفاعل والتمييز بعد نعم، ورتبة الحال وصاحبه ورتبة المفعول به والفعل (11) .
(( فأما تقديم المفعول به على الفاعل وعلى الفعل إذا كان الفعل متصرفا فجائز واعني بمتصرف أن يقال منه فعل يفعل فهو فاعل كضرب يضرب وهو ضارب وذلك اسم الفاعل الذي يعمل عمل الفعل حكمه حكم الفعل ) ) (12) .
إما إذا خيف التباس احدهما بالآخر أو خفي الإعراب فيهما ولم توجد قرينة تبين الفاعل من المفعول كـ (ضرب موسى عيسى) فيجب حينئذ تقديم الفاعل على المفعول وهذا هو مذهب الجمهور (13) .
ويرى ابن جني (ت 390 هـ) أن الأمر في كثرة تقديم المفعول به على الفاعل في القرآن الكريم وفصيح الكلام متعالم غير مستكره فلما كثر وشاع تقديم المفعول به على الفاعل كان الوضع له حتى انه إذا أخر فموضعه التقديم (14) .
ويرى السيوطي ت (911 هـ) أن الأصل في المفعول به التاخرعن الفعل والفاعل وقد يقدم على الفاعل جوازا ووجوبا ... وقد يقدم على الفعل جوازا نحو قوله تعالى: (( فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة ) ) (الأعراف /30) وقوله تعالى: (( ففريقا كذبوا وفريقا يقتلون ) ) (المائدة /70) . (15) و رأي ابن جني السابق يندرج في ضمن الوصف وهو اقرب إلى الواقع من غيره؛ لأن البحث الوصفي يقتضي أن يحكم على صحة القواعد في الاستعمال الذي يتجلى في النصوص الإبداعية وكثرتها على السنة الناطقين بهذه اللغة أو تلك. وقد لخص الدكتور تمام حسان ترتيب عناصر الكلام من حيث الرتبة بحسب الاطراد في الاستعمال على الشكل الآتي: (16)
الرتبة
تقديم ... تأخير