الصفحة 3 من 7

وينقسم المفعول به في التقديم والتأخير تبعا للاطراد على ثلاثة أقسام: (17)

1.مفعول يجب تقديمهُ ولا يجوز تأخيره وهو الاستفهام والشرط وضمير النصب بالفعل إذا ظهر الفاعل وكذلك المفعول المنفصل إذا لم يكن مفعولا.

2.مفعول يجب تأخيره ولا يجوز تقديمه وهو كل مفعول يكون فاعله استفهامًا أو شرطًا أو مقصورًا.

3.مفعول يجوز تقديمه، وهو ما عدا ما ذكر.

المقتضيات الصوتية للتقديم والتأخير:

يسهم التقديم والتأخير في بناء النسق الموسيقي للجملة العربية وكل ما اتصل بالواقع الحسي في الكلام من المقتضيات الصوتية والكلام لا يرسله اللسان إلا ليسمع، ولا تقيده الكتابة إلا ليقرأ فيسمع، قد تقرأه العين وحدها ولا يجهر به لسان، ولكنه لا يصل الى المدارك إلا بعد تصور جرسه وذلك لأن الأصوات هي المظاهر الأولى للأحداث اللغوية.

ولم يعد شغف العرب منحصرا في موسيقى الألفاظ وجمال وقعها وحلاوة نغمها بل تعدى شغفهم واهتمامهم إلى العبارات التي تؤلف نغما موسيقيا تطرب له الأذن وتقبل عليه النفس واتبعوا في ذلك سبلا مختلفة وطرقا شتى لتحقيق ما يرجونه.

وقد تنبه النقاد العرب إلى أن الإيقاع الموسيقي قد ينجم عن التقديم والتأخير وأدركوا أن ذلك وسيلة من الوسائل التي يلجأ إليها الفنان ليكسب نصّه روعة وإيقاعا وجاذبية تتحرك لها النفوس، ويكون تحقيق ذلك بوضع اللفظة في المكان المناسب بحيث تلتحم الكلمة بالأخرى ليكسب الكلام بعضه بعضا قيما جمالية (18) .

والذي يطالع شعر المتنبي يجد هذه الظاهرة واضحة جدا في شعره إذ استعمل هذا الباب استعمالات مختلفة , اخترت منها تقديمه المفعول به على الفاعل في نماذج من شعره كان المفعول به فيها ظاهرا إذ إنه وظف هذه الظاهرة خدمة للمعنى لاسيما اذا ما قورنت بما ورد في شعر شعراء عصره كابي نوّاس وغيره.

النماذج التطبيقية:

قال المتنبي من قصيدة يمدح فيها أبا علي هارون بن عبد العزيز الاوراجي الكاتب وكان يذهب إلى التصوف: (19)

أَمِنَ اِزدَيارَكِ في الدُجى الرُقَباءُ

إِذ حَيثُ أَنتِ مِنَ الظَلامِ ضِياءُ

قَلَقُ المَليحَةِ وَهيَ مِسكٌ هَتكُها

وَمَسيرُها في اللَيلِ وَهيَ ذُكاءُ

أَسَفي عَلى أَسَفي الَّذي دَلَّهتِني

عَن عِلمِهِ فَبِهِ عَلَيَّ خَفاءُ

وَشَكِيَّتي فَقدُ السَقامِ لِأَنَّهُ

قَد كانَ لَمّا كانَ لي أَعضاءُ

أَنا صَخرَةُ الوادي إِذا ما زوحِمَت

وَإِذا نَطَقتُ فَإِنَّني الجَوزاءُ

وَإِذا خَفيتُ عَلى الغَبِيِّ فَعاذِرٌ

أَن لا تَراني مُقلَةٌ عَمياءُ

شِيَمُ اللَيالي أَن تُشَكِّكَ ناقَتي

صَدري بِها أَفضى أَمِ البَيداءُ

وَإِذا مُدِحتَ فَلا لِتَكسِبَ رَفعَةً

لِلشاكِرينَ عَلى الإِلَهِ ثَناءُ

وَإِذا مُطِرتَ فَلا لِأَنَّكَ مُجدِبٌ

يُسقى الخَصيبُ وَتُمطَرُ الدَأماءُ

لَم تَحكِ نائِلَكَ السَحابُ وَإِنَّما

حُمَّت بِهِ فَصَبيبُها الرُحَضاءُ

لَم تَلقَ هَذا الوَجهَ شَمسُ نَهارِنا

إِلّا بِوَجهٍ لَيسَ فيهِ حَياءُ

نجد في هذا الحشد من المتقابلات أسلوب التقديم يطفو على سطح النص بقوة في قوله: (امن ازديارك في الدجى الرقباء) فصاغ من بنية المصدر (افتعال) مفعولا يكاد ينفرد به. فدمج بين الحمولات الدلالية للبنية الصرفية (الازديار) وما تخبئ من دقة وترقب في زيارة المحبوبة في وقت الدجى وبين البنية التركيبية من خلال التجاوز في الرتبة للمفعول به الذي قدمه المتنبي ليلفت به نظر المتتبع نحو الاهتمام بموضوع الوصل الذي يستحيل مع هذا الضياء الفاضح , وكان هذا البيت يغني عن باقي المقدمة او هو بمثابة الدليل للمدوح حتى إذا وصلنا إلى قوله: (لم تحك نائلك السحاب ... ) نرى التقديم للمفعول به في هذا البيت ـ الذي هو الغاية من القصيدة ـ قد اكسب المعنى رونقا وجمالا وزاد التركيب قوة وتماسكا صوتيا ومعنويا نتيجة تقديم (( نائلك ) )على (( السحاب ) )فضلا عن تقديم الخبر في قوله (( فصبيبها ) )فيكون معناه: إن السحابة لم تحك نائلك لأنها لا تقدر على ذلك لكثرة العطاء المتتابع من لدنك فأنه أكثر من مائها، وإنما هو عرق حماها لحسدها لك فأورثها الحمى، فما ترى من مائها إنما هو عرق حماها حسدا لك، فالذي ينصب من مطرها ما هو إلا عرق (20) .

ولعله أبلغ من قول أبي نوّاس: (21)

إِنَّ السَحابَ لَتَستَحيِي إِذا نَظَرَت

إِلى نَداهُ فَقاسَتهُ بِما فيها

بسبب تقديم أبي الطيب ل (العطاء) فالتركيز كان على عطاء الملك لذلك قدم أما أبو نؤاس فقدم السحاب على الممدوح وهذا يجعل السامع لا يلتفت إلى من هو أرفع من السحابة في جودها.

قال أبو الطيب من قصيدة يمدح فيها سيف الدولة وهي من باب الاعتذار: (22)

أَجابَ دَمعي وَما الداعي سِوى طَلَلِ

ئدَعا فَلَبّاهُ قَبلَ الرَكبِ وَالإِبِلِ

ظَلِلتُ بَينَ أُصَيحابي أُكَفكِفُهُ

وَظَلَّ يَسفَحُ بَينَ العُذرِ وَالعَذَلِ

أَشكو النَوى وَلَهُم مِن عَبرَتي عَجَبٌ

كَذاكَ كُنتُ وَما أَشكو سِوى الكَلَلِ

وَالهَجرُ أَقتَلُ لي مِمّا أُراقِبُهُ

أَنا الغَريقُ فَما خَوفي مِنَ البَلَلِ

قَد ذُقتُ شِدَّةَ أَيّامي وَلَذَّتَها

فَما حَصَلتُ عَلى صابٍ وَلا عَسَلِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت