وَقَد أَراني الشَبابُ الروحَ في بَدَني
وَقَد أَراني المَشيبُ الروحَ في بَدَلي
وَقَد طَرَقتُ فَتاةَ الحَيِّ مُرتَدِيًا
بِصاحِبٍ غَيرِ عِزهاةٍ وَلا غَزِلٍ
فَباتَ بَينَ تَراقينا نُدَفِّعُهُ
وَلَيسَ يَعلَمُ بِالشَكوى وَلا القُبَلِ
استعمل المتنبي التقديم في أسلوب يكاد يكون منفردا به إذ إن الفعل (( أرى ) )في قوله (( وقد أراني ... ) )يتعدى إلى أكثر من مفعول فقدم المفعول به الأول على الثاني وذكر الفاعل بعده بعد ان كان مستترا وكرر ذلك في الشطر الثاني في أسلوب يدعو للتأمل. إذ وازن أبو الطيب بين المدح والرثاء في مقدمته ليبين مكانة الود بعد الجفاء من باب التعويض عن فقد الثقة فحاور الذات وقصد الآخر ولم يجد سوى تقديم الآخر الحاضر (( الشباب ) )وعطف الذات (( المشيب ) )على الماضي وتجسيده بالمتحدث.
ويعضد ذلك المعنى ما جاء به أبو الفتح ابن جني (ت 390 هـ) في تفسيره البيت إذ قال: (( قد ذهب قوم إلى أن المعنى انه كان شابا فلما ذهب الشباب رآه في غيره من الناس ) ) (23) .
ونقله الواحدي وقال هو كقول الآخر: (24)
من شاب قد مات وهو حيٌّ
يمشي على الأَرض مشي هالك
وقال أبن فورجة (ت ... هـ) : (( أحسن ما يحمل عليه البدل في هذا البيت الولد لأنه بدل الإنسان، إذ كان يشيب، أو أن شيخوخة الأب [تجعل من ولده بدلا] وإذا مات ورثه فيكون بدله في ماله ) ) (25) .
فيكون المعنى: صحبت الشباب مسرورا وأراني الروح يد القوة والجلادة والنهضة في بدني ثم صحبت الشيب مستكرها لصحبته فأراني الروح في بدلي بتغير أحوالي وعجزي عن النهوض والقيام بسرعة كما كنت أيام الشباب وصرت استعين بغيري يساعدني على أحوالي وكأني بهذا قد أراني الروح في بدني، يريد القوة والنشاط الذي كنت افعله وحدي صرت احتاج فيه إلى مساعد، وتلخيص المعنى: إن حقيقة أمور الإنسان أيام شبابه ثم تتبدل بالانتقال إلى مشيبه وكبره (26) .
قال أبو الطيب من قصيدة يمدح فيها أبا العشائر الحسن بن علي بن الحسن بن الحسين بن حمدان العدوي: (27)
لا تَحسَبوا رَبعَكُم وَلا طَلَلَه
أَوَّلَ حَيٍّ فِراقُكُم قَتَلَه
قَد تَلِفَت قَبلَهُ النُفوسُ بِكُم
وَأَكثَرَت في هَواكُمُ العَذَلَه
لَو سارَ ذاكَ الحَبيبُ عَن فَلَكٍ
ما رَضِيَ الشَمسَ بُرجُهُ بَدَلَه
أَنا اِبنُ مَن بَعضُهُ يَفوقُ أَبا ال
باحِثِ وَالنَجلُ بَعضُ مَن نَجَلَه
وَإِنَّما يَذكُرُ الجُدودَ لَهُم
مَن نَفَروهُ وَأَنفَدوا حِيَلَه
فَخرًا لِعَضبٍ أَروحُ مُشتَمِلَه
وَسَمهَرِيٍّ أَروحُ مُعتَقَلَه
أَنا الَّذي بَيَّنَ الإِلَهُ بِهِ ال
أَقدارَ وَالمَرءُ حَيثُما جَعَلَه
جَوهَرَةٌ يَفرَحُ الكِرامُ بِها
وَغُصَّةٌ لا تُسيغُها السَفِلَه
لقد وازن الشاعر في الأبيات: الثالث والرابع والخامس بين تقديم الفاعل على الفعل وهو محل خلاف بين النحاة (28) في قوله (( ... من بعضه يفوق أبا الباحث ... ) )وتقديمه المفعول على الفاعل في قوله: (( ... ما رضي الشمس برجه بدله ) )وقوله: (( و إنما يذكر الجدود لهم من ... ) ). لغاية في نفسه لا تكون إلا من خلال التقديم (وهي إثبات نسبه العلوي) إذ أراد: انه فوق أبي الذي يفتش عن نسبه إلا أن صفة الشعر لإقامة الوزن والمعنى المخصوص دفعته إلى هذا النسق ومثله: (29)
قالت من أ نت على ذكر، فقلت لها:
أنا التي أنت من أعدائها زعموا
ومعنى قول أبي الطيب: أنا فوق قوم يفتشون عن نسبي، وأراد بـ (بعض) : الولد لأن الولد بعض الوالد وإنما يذكر الأجداد والآباء للمفاخرين من غلبوا بالفخر ولم يجد حيلة فافتخر بالآباء فيحتاج إلى الفخر بجدوده من لا فخر له، ولا فضيلة في نفسه، فيحتاج إلى فضيلة آبائه (30) ، ولأنه أخفى نسبه افتخر بنفسه دون نسبه مما حدا به أن وظف التقديم في توليد انزياحات معنوية يكشفها الإمعان في التركيب وأسلوبه.
قال أبو الطيب في مدح كافور وانشده إياها في شوال سنة تسع وأربعين وثلاثمائة وهي آخر ما انشده ولم يلقه بعدها: (31)
مُنىً كُنَّ لي أَنَّ البَياضَ خِضابُ
فَيَخفى بِتَبيِيضِ القُرونِ شَبابُ
لَيالِيَ عِندَ البيضِ فَودايَ فِتنَةٌ
وَفَخرٌ وَذاكَ الفَخرُ عِندِيَ عابُ
فَكَيفَ أَذُمُّ اليَومَ ما كُنتُ أَشتَهي
وَأَدعو بِما أَشكوهُ حينَ أُجابُ
وَفي الجِسمِ نَفسٌ لا تَشيبُ بِشَيبِهِ
وَلَو أَنَّ ما في الوَجهِ مِنهُ حِرابُ
وَإِنّي لَنَجمٌ تَهتَدي بِيَ صُحبَتي
إِذا حالَ مِن دونِ النُجومِ سَحابُ
غَنِيٌّ عَنِ الأَوطانِ لا يَستَفِزُّني
إِلى بَلَدٍ سافَرتُ عَنهُ إِيابُ
وَأَصدى فَلا أُبدي إِلى الماءِ حاجَةً
وَلِلشَمسِ فَوقَ اليَعمُلاتِ لُعابُ
وَلِلسِرِّ مِنّي مَوضِعٌ لا يَنالُهُ
نَديمٌ وَلا يُفضي إِلَيهِ شَرابُ
وَلِلخَودِ مِنّي ساعَةٌ ثُمَّ بَينَنا
فَلاةٌ إِلى غَيرِ اللِقاءِ تُجابُ
تَرَكنا لِأَطرافِ القَنا كُلَّ شَهوَةٍ
فَلَيسَ لَنا إِلّا بِهِنَّ لِعابُ
وَبَحرٌ أَبو المِسكِ الخِضَمُّ الَّذي لَهُ
عَلى كُلِّ بَحرٍ زَخرَةٌ وَعُبابُ
وَغالَبَهُ الأَعداءُ ثُمَّ عَنَوا لَهُ
كَما غالَبَت بيضَ السُيوفِ رِقابُ
وَأَكثَرُ ما تَلقى أَبا المِسكِ بِذلَةً