الصفحة 5 من 7

إِذا لَم تَصُن إِلّا الحَديدَ ثِيابُ

وَأَوسَعُ ما تَلقاهُ صَدرًا وَخَلفَةٌ

رِماءٌ وَطَعنٌ وَالأَمامَ ضِرابُ

وَأَنفَذُ ما تَلقاهُ حُكمًا إِذا قَضى

قَضاءً مُلوكُ الأَرضِ مِنهُ غِضابُ

يَقودُ إِلَيهِ طاعَةَ الناسِ فَضلُهُ

وَلَو لَم يَقُدها نائِلٌ وَعِقابُ

أَيا أَسَدًا في جِسمِهِ روحُ ضَيغَمٍ

وَكَم أُسُدٍ أَرواحُهُنَّ كِلابُ

وَيا آخِذًا مِن دَهرِهِ حَقَّ نَفسِهِ

وَمِثلُكَ يُعطى حَقَّهُ وَيُهابُ

لَنا عِندَ هَذا الدَهرِ حَقٌّ يَلُطُّهُ

وَقَد قَلَّ إِعتابٌ وَطالَ عِتابُ

إن معنى هذه القصيدة يدور في فلك الوزارة الموعودة التي طمح أبو الطيب لنيلها وقد طال أوانها حتى بان الكبر عليه وشابت قرونه وأراد أن يبين مكانته وهمته في الإمارة بتوظيف أسلوبي أفاد به من ظاهرة التقديم والفصل في قوله: (( وللسر مني موضع ... ) )وهو بيت القصيد إذ فصل بين الفاعل والفعل بالجار والمجرور وقدم شبه الجملة التي حلت محل المفعول به في قوله (( ... يفضي إليه - شراب ) ). ليريد به معنى هو انه يكتم السر فيضعه حيث لا يبلغه القديم ولا يصل إليه الشراب رغم تغلغله في البدن (32) .

وذلك أن الرجل إذا سكر أذاع ما في قلبه من السر فيقول أنا لا أسكر من الخمر على وجه يزول به عقلي وقيل: أراد: أن الخمر لا تصل إلى السر مع أن الخمر تجري مع الإنسان مجرى الدم فتصل إلى كل موضع (33) .

ولعل تقديم السر في بيت أبي الطيب جعله ابلغ من قول الصيرفي: (34)

وَلَمّا شَرِبناها وَدَبَّ دَبيبُها

وَأَطمَعَني الساقي بِوَعدٍ بِهِ يَفي

لَهَوتُ بِحَسوِ الراحِ حَتّى إِذا اِنتَهَت

إِلى مَوضِعِ الأَسرارِ قُلتُ لَها قِفي

إذ قدم الخمرة على السر.

ومثله فعل في قوله: (( .. فلاة - إلى غير اللقاء - تجاب ) )، إذ فصل بين الفاعل والفعل بالجار مع ما أضيف له وقدم الفاعل على الفعل لأنه كان يريد: أنه يصحب المرأة الحسناء الناعمة مدة يسيرة ثم يسافر عنها بقطع الفلاة إلى غيرها لا إليها (35) . والذي يتأمل البيتين الثامن والتاسع يجد فيهما قصد الشاعر في حشد التقابلات المترادفة بين:

1.كتمان السر (موضع ثقة) // موضع ثقة وزراته البقاء (الوصل) // الرحيل (الهجر) .

غير أن التقابل يكاد ينزاح عن نقطة الانتصاف في الثاني إذ إن قوله: (( ثم بيننا ) )ترجع إلى مصدر الشطر الثاني (( فلاة إلى غير اللقاء تجاب ) )لا الأول مما يجعل الوصل والهجر بالرحيل كتلة واحدة درج الشاعر والآخر على اعتبارها مما يؤدي إلى صعوبة امتلاك الشاعر من قبل امرأة ويعزز هذه الصفة الانزياحية بالحب للخدام والطمع والغرور وضياع الوفاء والوصل.

وقد ذكر الفلاة مثلا على معنى ما يقال بيني وبين فلان مسافة بعيدة في امتناع الوصول إليه (36) .

أما قوله: (( يقود إليه طاعة الناس فضله .. ) )الأصل فيه: (( يقود فضله طاعة الناس إليه ) ).. فقدم جملة الجار والمجرور وقدم المفعول به على الفاعل لبيان منزلة الممدوح (كافور) ؛ حتى يصبح المعنى: لو لم يطعه الناس رغبة ورهبة لأطاعوه محبة، بما فيه من الفضل، لأنهم يطيعونه لاستحقاقه الطاعة لفضله، لا لرجاء جوده ولا خوف عقابه (37) .

وبالتالي فالتبعية لازمة لزوما واجبا بالفصل أو بالسيف والعقاب كما يوضحها الشطر الثاني:

ولو لم يقد - ها - نائل وعقاب

وهو مثل قوله: (38)

رَأَيتُكَ لَو لَم يَقتَضِ الطَعنُ في الوَغى

إِلَيكَ اِنقِيادًا لَاِقتَضَتهُ الشَمائِلُ

والمعنى: إن لم تطعك الناس رهبة , أطاعوك حبا , فلو لم يقتض الطعن في الحرب انقياد أعدائك لك , وخضوعهم لأمرك , وحاولوا مدافعتك ببالغ جهدهم , وراموا ذلك بظاهر فعلهم , لاقتضت انقيادهم لك شمائلك , ولقصرت على ذلك طبائعهم لان جبلتهم توجب خضوعهم لطاعتك , وأنفسهم تلزم الاعتراف لرياستك.

قال أبو الطيب معاتبا: (39)

بِمَ التَعَلُّلُ لا أَهلٌ وَلا وَطَنُ

وَلا نَديمٌ وَلا كَأسٌ وَلا سَكَنُ

أُريدُ مِن زَمَني ذا أَن يُبَلِّغَني

ما لَيسَ يَبلُغُهُ مِن نَفسِهِ الزَمَنُ

لا تَلقَ دَهرَكَ إِلّا غَيرَ مُكتَرِثٍ

مادامَ يَصحَبُ فيهِ روحَكَ البَدَنُ

فَما يَدومُ سُرورُ ما سُرِرتَ بِهِ

وَلا يَرُدُّ عَلَيكَ الفائِتَ الحَزَنُ

مِمّا أَضَرَّ بِأَهلِ العِشقِ أَنَّهُمُ

هَوُوا وَما عَرَفوا الدُنيا وَما فَطِنوا

تَفنى عُيونُهُمُ دَمعًا وَأَنفُسُهُم

في إِثرِ كُلِّ قَبيحٍ وَجهُهُ حَسَنُ

ما كُلُّ ما يَتَمَنّى المَرءُ يُدرِكُهُ

تَجري الرِياحُ بِما لا تَشتَهي السُفُنُ

عندما نعي أبو الطيب في مجلس سيف الدولة قال هذه القصيدة ولم ينشدها كافورا وبين عتابه ويبدو أن حكمة القول تتجلى في البيتين الثالث والرابع وقد أفاد أبو الطيب من التقديم في صياغة نسيجه الأسلوبي فقدم المفعول به على الفاعل في عجزي البيتين لسببين هما النسق الموسيقي للحفاظ على القافية والوزن والتأكيد على محور المثل وهو (( الروح، والفائت ) )؛ لأنه كان يقصد: ... أنه ما دمت حيا فلا تبالي بالزمان وصروفه ونوائبه فإنها تزول وليست دائمة والذي فات فلا عوض منه هو (الروح) . (( وهذا من كلام الحكيم أيام الحياة لا خوف فيها كما أن أيام المصائب لا بقاء فيها ) ) (40) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت