فهرس الكتاب

الصفحة 18 من 22

وبالرغم من كون الأنماط اللغويّة لا تساير الظواهر الثقافيّة، كلّما تسارعت أشكال الثقافة إلى النموّ صاحب ذلك نموّ أسرع في الأشكال اللغويّة. فإن أردنا أن نبلغ بهذه النظريّة حدودها المنطقيّة القصوى كانت النتيجة الحتميّة التي لا تقبل الجدل أنّه كلّما تحوّلت الظواهر الثقافيّة بسرعة واكب ذلك تطوّر لغويّ أشدّ سرعة. وهذا يخالف العقيدة السائدة القاضية بأنّ المجتمعات الحضاريّة المتقدّمة أكثر محافظة على لغاتها من الشعوب البدائيّة. نعم! من المحتمل أنّ النزعة الرّامية إلى إحداث تغييرات سريعة في اللغة موازيةٍ للتطوّر الثقافيّ المتشعّب يقاومها عنصر من العناصر الأكثر أهمّيّة في ثقافة متطوّرة، وأقصد به نظاما ثانيا من الرموز اللغويّة الخاضعة بحكم الضرورة لنزعة المحافظة على القديم، نزعة تفرض نفسها على النظام الموجود لأنّها أشدّ تأثيرا. وأعني بالنظام الثاني استعمال الكتابة. ومع ذلك يظهر لي أنّ هذه المفارقة الصوريّة التي خلصنا إليها تتضمّن جزءا من الحقيقة. فلا يصحّ في نظري أن نعدّ التطوّر الثقافيّ السريع في أوروبا الغربيّة خلال العشرين قرنا الأخيرة نتيجة لتطوّرات لغويّة جدّ سريعة في ظاهرها. ليس لي حجج دامغة تفصل القضيّة، لكنّني أشكّ في أنّ الكثير من لغات القبائل البدائيّة وقع له من التغيّر ما وقع للغة الإنجليزية في الفترة نفسها.

هذا التفسير الافتراضيّ المحض لعجزنا عن وجود روابط بين اللغة والمحيط يمكن تلخيصه في مَثَلٍ نضربه: رجلان انطلقا في سفر وفي نفس الاتجاه، وكان كلّ منهما يحمل من الزاد ما يقوّم أوَدَه. بقيا متلازمين برهة من الزمن طويلة، لا يشعر أحد منهما بنَصَب. وبطول المدّة بدأ يظهر ما بينهما من تباين في احتمال متاعب السفر، والقدرةِ على المغامرة، وتعرّف الوجهةِ الصحيحة، وغيرِها من العوامل، فتخلّف أحدهما عن الآخر وسلك مسلكا مغاييرا وأخذت الشُّقّة في الاتساع بينهما. ذلك شأن العديد من الظواهر التاريخيّة؛ تكون في حقبة من الحقب متلاحمة أو مرتبطة ارتباط السبب بالمسبّب، ثمّ يدركها النزوع إلى أن يبتعد، شيئا فشيئا، بعضُها عن الآخَر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت