وهذا صالح لكلّ اللغات وفي جميع المستويات من التطوّر الثقافيّ، بل يمكننا القول بأنّ الأنماط النحويّة وتطوّرها رمز لما يناسبها من التفكير ومن النشاط في المجال الثقافيّ وأنّ اللغة تبقى، إلى أمد بعيد، مرتبطة بالثقافة مؤثّرة فيها متأثّرة بها. لكنّ هذا التلازم لا يدوم. فالسيكولوجيّة الجماعيّة تتحوّل شيئا فشيئا وينتج عن ذلك نوع من التغيّر في لغة المجموعة البشريّة وفي ثقافتها. ثمّ إنّ اللغة والثقافة لا تعبّران تعبيرا مباشرا لا عن سيكولوجيّة الجنس البشريّ ولا عن محيطه الطبيعيّ لأنّهما تابعتان قبل كلّ شيء لسلطان التقاليد؛ به حياتهما وبه نموّهما. وذلك ما يفسّر أنّ التحوّلات الحتميّة التي يفرضها الزمن على الثقافة واللغة تقاومها نزعة المحافظة على المكتسبات وتحدّ من سرعة تطوّرها. هذه عقدة المشكلة. فالعناصر الثقافيّة الرامية إلى تلبية حاجات المجتمع المباشرة والتي يَعيها الفكر وعيا كاملا لا تتطوّر بسرعة تفوق السرعة التي تتطوّر بها المادّة اللغويّة فحسب بل إنّ شكل الثقافة الذي يعطي لكلّ عنصر أهمّيّته يتحوّل بلا انقطاع. أمّا مكوّنات اللغة فهي كذلك عرضة للتحوّل لكنّه تحوّل بطيء لكون عناصرها لا تلتئم بسهولة ولأنّ تصنيفها النحويّ خاضع خضوعا تامّا للاّشعور. فالنظام النحوي تقضي طبيعته بالمحافظة على أسسه؛ وإن شئت قلت بأنّ نزعة المحافظة أبرز وأقوى في الأسُس الشكليّة اللغويّة منها في أصول الثقافة. والنتيجة الحتميّة الأولى لذلك أنّ الصلة بين اللغة والثقافة تتلاشى وبطول المدّة تزول فلا تكون الأنماط اللسانيّة ممثّلة للظواهر الثقافيّة. وهذا مُرْتَكَز نظريّتنا. والنتيجة الثانية أنّ الأشكال اللغويّة تعكس، فيما تعكس، مراحل سابقة من الثقافة ولا علاقة لها بالثقافة المعاصرة لها. لا نزعم أنّ اللغة والثقافة تبلغان حدّا لا يكون بينهما فيه أيّ ارتباط مهما كان نوع هذا الارتباط. إنّما نقول إنّ شدّة اختلافهما في وتيرة تحولاتهما تجعل من شبه المستحيل تبيّن ما بينهما من وشائج.