فهرس الكتاب

الصفحة 16 من 22

الحلّ في وتيرة التطوّر الثقافيّ واللغويّ. فالناطقون باللغة أكثر إدراكا لمعالم ثقافتهم منهم للظروف التي تحدث تغيّرا في لسانهم. ومن هذا الفرق السيكولوجيّ بين المظهرين الثقافيّ واللغويّ في تسلسلهما (والذي لا يسعنا تحليله) ينتج أنّ التطوّر الثقافيّ في معظمه عمليّة شعوريّة أو من السهل أن تصبح كذلك وأنّ التحوّلات اللغويّة مَرَدُّها (إن كان لها في الحقيقة مردّ) إلى التأثير الخفيّ للعوامل السيكولوجيّة الخارجة عن الإرادة وعن التأمّل. هذا يؤدّي بنا إلى أن نستخلص أنّ التطوّرين الثقافيّ واللغويّ لا يسيران بنفس الوتيرة؛ فليس من الممكن أن نجد بينهما علاقة سببيّة وثيقة. كلّ الدلائل تثبت ذلك فيما يظهر. وهذا أيضا يخوّلنا أن نقرّر - إن كان لزاما علينا أن نقرّر - إمكانَ وجود ارتباط بين المحيط والنمط اللغويّ في إحدى مراحل الحضارة، البدائّيّة. لكنّ هذا الارتباط لا تعكسه أيّة لغة معاصرة، لأنّ العلاقة بين الثقافة واللسان لا تلبث أن يصيبها التدهور فالاضمحلال لسبب بسيط وهو اختلاف الظواهر الثقافيّة عن الظواهر اللغويّة في الخصائص وفي سرعة التطوّر. وذلك ناتج عن طبيعة كلّ منهما.

ها هي في الجملة وفي تصوّرنا طريقة تطوّر الثقافة واللغة: مجتمع بدائيّ، لا تكاد تظهر فيه نواة لغويّة أو ثقافيّة، يسلك في غالب الظنّ مسلكا مطابقا لسيكولوجيّة جماعيّة يحدّدها من ناحية جنسه البشريّ ومن ناحية أخرى لغته. وعلى أساس هذه السيكولوجيّة الجماعيّة، مهما كانت اتجاهاتها، تنمو الثقافة واللغة نموّا بطيئا. وبما أنّ كلاّ منهما يحدّده في الأساس، وفي هذه المرحلة، عوامل الجنس البشريّ والمحيط الطبيعيّ، فإنهما تبقيان متوازيتين على وجه التقريب، بحيث يعكس نظام اللغة النحويّ مظاهر النشاط الثقافيّ. وبعبارة أخرى لا تكون المفردات اللغويّة نفسها صورة لبعض العناصر الثقافيّة المنفصلة فحسبُ،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت