فهرس الكتاب

الصفحة 2 من 22

يخرج عن أمرين: إمّا أنْ تتبنّاه القوى الاجتماعيّة وتحميَه وإمّا أنْ تحَوِّرَه. فلا مجال إذنْ لاعتقاد أنّ للبيئة السلطان المطلق على الثقافة والطبائع البشريّة. ثمّ إنّ هذه العوامل الاجتماعيّة تتضافر مع العوامل الوراثيّة لِتُكَوِّنَ قوًى متوازية تنتقل عبر الأجيال وتتطوّر متأثّرة بالبيئة وبما يحدث للمجموعة في تاريخها. وكلّ ذلك يزيد الأمر تعقيدا ويجعل الدّارس عاجزا عن معرفة أصول الثقافة وإدراك تطوّرها في المجتمع أيًّا ما كان هذا المجتمع. والأَوْلى أن نخصّص لفظ المحيط للعوامل الطبيعيّة الخارجة عن إرادة الإنسان وعن قدرته. فإذا ما تناولنا بالبحث علاقة اللغة بالمحيط وجب أن نوسِّع دلالته ليشمل كذلك العنصر الاجتماعيّ لأنّ اللغة تصوِّر المجتمع والبيئة الطبيعيّة التي تكتنف حياته. فالمحيط بالمعنى الأوّل طبيعة البلاد من جبال ووهاد وسهول وهضاب وأنهار وشواطئ وغابات وصحار وطقس، وما بها من معادن ومن مختلف النبات والحيوان. والمحيط الاجتماعيّ يشمل أثر المجتمع في حياة الأفراد وفي أفكارهم. وممّا يؤثّر به المجتمع في الفرد الدّين والقِيَمُ الخلُقيّة والنظام السياسيّ والفنّ.

فإذا ما فرضنا، ولو بصفة مؤقّتة، أنّ للبيئة تأثيرا مباشرا على اللغة، فمن الطبيعيّ أن تعكس هذه اللغة العاملينِ الأساسيّين اللذين حدّدناهما. والحقيقة أنّ العامل الطبيعيّ المحض لا قيمة له بل لا وجود له إلاّ متأثّرا بالعامل البشريّ. فقد يكون في الطبيعة حيوان كثير ونبات لا حصر له وصخور ومعادن وتبايُنٌ في طبيعة الأرض: جبال ووهاد وهضاب وسهول ومناطق بحريّة وفلوات وطقس شديد التقلّب، ولا تجد لذلك إلاّ أثرا باهتا في اللغة. والمفروض أن تكون هذه اللغة صورة وفيّة لِما يُكَوِّنُ بيئتها وأن يوجد فيها من الألفاظ ما يدلّ على كلّ أجناس طبيعتها الصامتة والناطقة. ذلك أنّ العامل الطبيعيّ الصِّرْف تابع للعامل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت