البشريّ في المجال اللغويّ. فلا يهمّ اللغة إلاّ ما يهمُّ المجتمع. فالنبات الضروريّ لغذائه أو لعلاجه أو لزينته والحيوان الذي يقتات به أو يصحبه في حلّه وترحاله والأرض التي يتعامل معها مهما كانت طبيعتها، كلّ ذلك نجد له صدًى في معجمه. أمّا ما لا صلة له باهتماماته فلا أثر له في لسانه.
ما على الدارس إلاّ أن ينظر في معجم من معاجم لغة ما قديمها أو حديثها ليعرف نمط حياة أهلها وطبائعهم واهتماماتهم ومعارفهم وعاداتهم ومعتقداتهم ومُثُلهم العليا في فلسفة أخلاقهم. ولنوضّح الفكرة بمثالين: بمجتمعين متباعدين في الموقع الجغرافيّ والمستوى الحضاريّ، وليس بينهما وشائج قربى من الناحية اللغويّة. أحدهما من الهنود الحمْر، بشاطئ من شواطئ جزيرة فانكوفير (Vancouver) بكولومبيا البريطانيّة، ولغته النوتكا (Nootka) ، وثانيهما الباسك، في الجنوب الغربيّ من فرنسا. كلاهما في منطقة ساحليّة، يعيش بما يصطاد من الأسماك وما شاكلها. هذه الظاهرة تجعل المجتمعين يهتمّان اهتماما بالغا بمنتجات البحر وبالتدقيق في تسميتها سواء أكانت من الفقريّات أم كانت من غيرها، وبوفرة الألفاظ الخاصّة بها.
وعلى عكس ذلك الناطقون بالبايوت (paieute) لغة الهنود الحمر الجنوبيّين، بولايات أريزونا (Arisona) ونيفادا (Nevada) ويوتا (Utah) . هؤلاء الهنود يقطنون هضابا قاحلة تتحكّم في معيشتهم ويتعاملون معها معاملة يوميّة. لذلك نجد لغتهم زاخرة بألفاظ دقيقة يراها غيرهم من الكماليّات بل ممّا لا ينبغي الاعتداد به. وما حاجة اللغة إلى تخصيص لفظ لكلّ صغيرة وكبيرة ممّا يتعلّق بسطح الأرض كالحدود الفاصلة بين المياه، وكالمنحدرات والطرق الساحليّة،