عنه. وكتبت على القلم أي به، وجاء زيد على عمرو أي معه، والدرهم على الصندوق أي فيه، وأخذت على الكيس أي منه) وأردف: (وأوِّلوا ما تقدم على الضمين ونحوه فضمِّن تتلو معنى تقول، ورضي معنى عطف ... واكتالوا معنى حكموا في الكيل .. ) . ذلك أن للفعل مع كل حروف وجهة خاصة قد تداني وجهته مع حرف آخر، لكنها لا تطابقها ولا تواقعها. وهذا ما أكده أبو نزار ملك النحاة حين قال: (إن الفعل يتعدى بعدة من حروف الجر على مقدار المعنى اللغوي المراد من وقوع الفعل، لأن هذه المعاني كامنة في الفعل وإنما يثيرها ويظهرها حروف الجر) وأردف (وذلك إذا قلت خرجت فأردت أن تبين ابتداء خروجك قلت خرجت من الدار، فإن أردت أن تبين أن خروجك مقارن لاستعلائك قلت خرجت على الدابة، فإن أردت المجاوزة للمكان قلت خرجت عن الدار ... ) فأتى لكل حرف بمعناه الذي خُصّ به، وأوضح هذا صاحب الكليات فقال (الفعل المتعدّي بالحروف المتعدية لابد أن يكون له مع كل حرف معنى زائد على معنى الحرف الآخر، وهذا بحسب اختلاف الحروف. فإن ظهر اختلاف الحرفين ظهر الفرق .. ) وأردف (وإن تقارب معاني الأدوات عسر الفرق نحو قصدت إليه وله وهديت إلى كذا ولكذا، فالنحاة يجعلون أحد الحرفين بمعنى الآخر، أما فقهاء أهل العربية فلا يرتضون هذه الطريقة بل يجعلون للفعل معنى مع الحرف ومعنى مع غيره .. ) . فقد يغنى قولك (أجاب على) عن قولك (أجاب عنه) حينًا لكن إغناء أحد الحرفين عن الآخر لا يعني البتة أنهما على معنى واحد، كما بسطنا الكلام عليه في أمثلتنا السابقة.
وفي كتاب الفروق اللغوية لأبي هلال العسكري (قال المحققون من أهل العربية أن حروف الجر لا تتعاقب حتى قال ابن درستويه: في جواز تعاقبها أبطال حقيقة اللغة وإفساد الحكمة فيها والقول بخلاف ما يوجبه العقل والقياس) .
بعض ما تعدَّى بعن وعلى ومعناه مع كل منهما:
تقول (سكتّ عن الكلام) إذا امتنعت منه و (سكتّ عن الأمر) إذا أغفلته وتجاوزت وتغاضيت عنه مجازًا، لكنك إذا قلت (سكتّ عليه) فقد أردت شيئًا آخر.
قال الشاعر:
ليس العمى طول السؤال وإنما ... تمام العمى طول السكوت على الجهل