يستقصيها، استقصاء لا يترك معه للدارس أن يطمع في المزيد عليه، وكثيرا ما قاده الاستقصاء البعيد إلى التمثيل على الوقائع اللغوية المألوفة بين العرب، بأمثلة ينسجها لفظيًا، لكنه يتجاوز أحيانًا هذا الواقع، ثم ينبّهك بأن هذا التركيب تمثيل لا يُتكلم به أو لم يُستعمل في الكلام، وهل أورد شومسكي إلا هذا، وهو يورد جملة أصبحت بين اللسانيين المحدثين أشهر من نار على علم،"الأحلام الخضراء تنام بعنف"؟.
وإذا كنا نشعر بشيء ما من ثقل اللغة المستعملة في الكتاب، فإن الأمر لا يرجع إلى أصل الدلالة للكلمات المستعملة، بل إلى تحوّلاتها الداخلية، خذ لك أي سطر -ما عدا الشواهد- فإنك لا تكاد تظفر بدلالة لغوية واحدة، بل تقف على كلمات، وقد لبست ثوبًا معنويًا جديدًا كلّ الجدّة، لا قبل له في ثوبها الّذي لطال كُسِيَتْهُ قبل استعمالها المتجدّد.
وإذا كان لابدّ من الإشادة بالرجل، لأنه أول عالم لغوي متعرب سجل هذا الصرح اللساني العظيم، فإنه مما ساعده عوامل تبرز لنا في النقاط:
1 -اللغة، وإن كانت حتى عهده، تغلب عليها الشفهية، فإنها مثلما تلفظ صوتيًا ترسم خطيًا، ولن يكون لها في هذه الحالة إلا بعد زمني لا يساوي إلا نفسه.
2 -أثبتت العربية لرواتها والباحثين الضليعين فيها أنها لغة كيّسة طيعة.
3 -المصطلحات اللسانية العربية أصيلة، لا وجود لآثار المصطلحات الأجنبية فيها.