وفي اعتقادنا أن فَقْلَغِيَّنَا أحمد بن فارس لو استشهد بتراكيب نثرية لكانت حجته أقوى من احتجاجه بالقافية، التي هي مطلب موسيقي بقدر ماهي ضرورة نحوية، ولربما أقوى الشاعر غير مبال كإقواء النابغة الذبياني [1] :
أَمِنْ آلِ مَيَّةَ رائِحٌ أوْ مُغْتَدِي ... عَجلاَنَ ذَا زَادٍ وغَيْرَ مُزَوَّدِ
زَعَمَ البَوَارِحُ أنَّ رِحْلَتَنَا غَدًا ... وبِذَاكَ خَبَّرنَا الغُرَابُ الأَسْوَدُ
إن عربي ما قبل الإسلام وما بعده بفترة طويلة في مَضْرب وقصيرة في مضربٍ آخر، لا في قواعدها المستنبطة فيما بعد من الخارج، لأن اللغة كنظام أو جهاز لساني شيء، وبنيانها شيء آخر، والسليقي في لغة طبيعيّةٍ بطبيعته غير المتواصل بها بالتدرب والتعلّم.
ولذلك نشأ ما نشأ لاحقًا من صراع حادّ بين متكلمين دَمثين سليقيين، وبين نحاة متشددين، حتى قال عمار الكلبي [2] :
ماذا لقينا من المُسْتعرِبين ومنْ ... قيَاسِ نَحوهم هذا الّذِي ابتَدعُوا
إن قُلتَ قَافِيَةً بِكْرًا يَكون بها ... بَيْتٌ خِلاَفَ الّذِي قَاسُوه أو ذَرَعُوا
قَالُوا: لَحنْتَ!، وهذَا ليْسَ مُنْتَصِبًا ... وذَاكَ خَفض، وهَذا ليسَ يَرْتَفِعُ
وحَرَّضُوا بينَ عبدِ الله من حَمَقٍ ... وبَيْنَ زَيْدٍ فَطالَ الضرْبُ والوَجَعُ
كَمْ بينَ قَوْمٍ قد احتَالُوا لِمَنطِقِهِمْ ... وبينَ قَومٍ علَى إعرابهِم طُبِعُوا
ونجد هذه المشادات المشهورة مبثوثة في كتب التراجم والآداب والطبقات القديمة، وربما انتقلت عدواها ما بين نحاة ومتكلمين إلى ما بين
(1) - أن يختلف إعراب القوافي، فتكون قافية مرفوعةً، وأخرى مخفوضةً أو منصوبةً، هو في شعر الأعراب كثير، ولا يجوز لمولّد (راجع طبقات فحول الشعراء، 1/ 71 لابن سلاّم) .
(2) - الخصائص، 1/ص: 239 - 240.