الصفحة 14 من 26

تقديم: مُقَدّمات الشروح ومتونها: من ميثاق القراءة إلى بنية الاستجابة:

غاية هذا البحث النظر في شروح حَسَن كامل الصَّيْرَفِيّ على ثلاثة من دواوين الشِّعْر الْجاهلي: ديوان عمرو بن قَمِيئة، وديوان الْمُتَلَمِّس الضُّبَعيّ، وديوان الْمُثَقِّب العَبْديّ [1] ، في ضوء نظريات التلقي والتأويل.

وإذا كان دَرْس مُقَدّمات شروح الصَّيْرَفِيّ يجلو ما اشتملت عليه من مناحي التلقي ومسائله، وما يتعلق بِها من أفق التوقع الذي صدر عنه الشارح، وأفق التوقع الذي يَسَعُ مُقَدّمات الشروح أن تَبْنِيَهُ في ذهن متلقيها، وما يفضي إليه ذلك من: برمجة تلقي القارئ للشروح والأشعار في صورة مُتَعَيِّنَة؛ وعقد ميثاق قرائي -بين المُقَدّمات والمتلقي- ينشأ من طريق تقديم الشارحِ النصَّ إلى قارئه على نَحوٍ يتيح آفاقَ انتظارٍ وتلقٍ وتأويلٍ متعددةً؛ لما للتقديم من وظيفة تنبيهية، إذ إنه يقدِّم سلسلة من العلامات والْمُوجِّهات التي تسمح بإقامة عملية الإبلاغ وتوجيه التلقي [2] .

وإذا كان دَرْس المُقَدّمات ينتهي إلى

اكْتِناهِ جملة من مظاهر التلقي، من نحو: سلطة الشارح الإكراهية في توجيه قارئ الشروح، والمنحى السِّيرِيّ وما ينبثق عنه من سلطة المُؤلِّف (أي اعتداد الشارحِ الشِّعْر محاكاة لحياة الشاعر وسيرته) وسلطة المدلول (أي انغلاق التأويل على معنى ظاهر قطعي) ، وسَنَنِ (شفرة) [3] تَلقِّي الجنس الشِّعْري [4] .

إذا كان شأن النظر في مُقَدّمات الصَّيْرَفِيّ على ما وصفتُ، فإن العناية، في هذا البحث، ستنصرف إلى جلاء مناحي استجابة الشارح (القارئ) وملامحها في متون الشروح الناجزة على الدواوين المذكورة. أي الكشف عن المظاهر الصريحة والضِّمنِيّة لاستجابة القارئ الصريح (وهو الشارح) ، واستجابة القارئ الضِّمنِيّ (وهو متَلقِّي النصوص مع شروحها) .

مهاد نظري:

في فعل القراءة ومَنطِق الاستجابة

استحالت عنايةُ نَقَدَةِ الأدب، في نظريات التلقي والتأويل الحديثة، من النص، من حيث هو شيء قائم بذاته، إلى الاستجابة التي

(1) عمرو بن قميئة، عمرو بن قميئة بن ذريح البكري (ت نحو 560 م) ، ديوانه، تحقيق: حسن كامل الصيرفي، د. ط، معهد المخطوطات العربية، جامعة الدول العربية، 1965 م؛ والمتلمس الضبعي، جرير بن عبد العزى (ت نحو 569 م) ، ديوانه، د. ط، معهد المخطوطات العربية، جامعة الدول العربية، 1970 م؛ والمثقب العبدي، العائذ بن محصن بن ثعلبة ت نحو 35 ق. ه‍ (، ديوانه، د. ط، معهد المخطوطات العربية، جامعة الدول العربية، 1971 م.

(2) انظر: العبسي، محمد موسى،"خطاب المقدمات وميثاق القراءة في شروح حسن كامل الصيرفي"، المجلة الأردنية في اللغة العربية وآدابها، م 3، ع 2، 2007 م، ص 206.

(3) سأستعمل الاصطلاح"سَنَن"بفتح السين والنون نظيرًا ل"شفرة code"في حال الإفراد، و"سُنَن"بضم السين وفتح النون نظيرًا لـ"شفرات codes"في حال الجمع، والتَّسْنِين: نظيرًا لـ"التشفير encoding"في حال المصدر.

(4) انظر: العبسي، خطاب المقدمات وميثاق القراءة، ص 205.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت