التراث الذي خلّفته لنا، نعيش ساعات طوال في الإبحار بين كلماته ومعانيه، وينقلنا بأجنحته إلى عوالمها الخاصة، كأنّه يعيد بنا الزمن إلى لحظة نشأته، فنحاول أن نستكشف ما تحت أجنحته من خفايا، ونستخلص منه الدروس والعبر.
لم تكن الخنساء امرأة سعيدة في معظم أطوار حياتها، ولم تكن قد عاشت حياة هانئة لمدة طويلة، لأنّها كانت تحيا حياة كثرت فيها النكبات وتوالت عليها النوائب، وهذا الأمر جعل من ديوانها ملحمة لا حدّ لها من الأحزان والآلام، وخلق منها ناعية كبيرة مقدمة في غرض الرثاء في الشعر العربي.
وكان الموت هو القضية الكبرى التي أثارت مخاوف الشاعرة، وخلقت لديها ذلك الصراع النفسي الطويل الذي عانت منه كثيرا، كما دلّ على ذلك شعرها، وكانت لها خلال ذلك تجاربها الشعرية التي خرجت منها بمقدار كبير من الحكم والمواعظ تدلّ بمجملها على فناء الإنسان وبقاء الذكريات والأحزان، وكان في بداية أمرها ترهب الموت وتخشى على أهلها وأحبتها ذلك المصير المجهول، ولكن بصيرتها الثاقبة وروحها الوادعة المسالمة فتحت أمام عينيها سبيل الخلاص، فتحول الموت ـ في نظرها ـ من واقع مرير مؤلم إلى مصدر إلهام وتفكر وتدبر في الحياة الدنيا والآخرة.
أبيات الشاعرة مفعمة بما يدل على نفسيتها، ففي كل بيت تجد روحها هائمة غير مستقرة، يبرز فيها طابع الحزن وتختفي منها نغمة الفرح، وتنطوي تحت معانيها جُمل كثيرة من التوتّر والقلق، وكلها تشير إلى معاناتها وخوفها ممّا هو مخبوء لها، وتتمثل شاعريتها في تصويرها الدقيق لما يجتاح كيانها من هموم وآلام، وإعادة خلق تجربتها الشعورية وصياغتها في قصائد تحيل المتلقي إلى عوالم لا متناهية من الأشجان.
وجدت الخنساء في الشعر منفذا كبيرا للخروج من عذاباتها النفسية، فراحت تنفث فيه همومها وكربها، وقد اتسمت أشعارها بكثير من القيم الروحية التي تلائم نفسيتها المهذبة، وهي قيم تنطق بحقيقتها وترسم لنا صورتها، امرأة عركتها السنون وصقلتها التجارب، فكثرت في شعرها أبيات التأمل والحكمة، فكشفت لنا عن مثالية مميزة في تحويلها رؤياها الذاتية المتعلقة بقضيتها مع الموت إلى مادة شاملة وقضية عامة تصور معاناة وهموم كل البشر، وفي ذلك تحقيق لنتائج تجربته الخاصة.
وتجربة الخنساء في الشعر هي خلاصة مواقف كثيرة، عاشت الشاعرة صراعا نفسيا مريرا قبل أن تنفث بها في أشعارها، وقد اعتمدت على ذاكرتها في استرجاع تفاصيلها، وجُلّ تلك المواقف قد ارتبطت بمعاناته الكبيرة بفقد أقربائها وذويها، فكانت تمثّل نقطة تحوّل مهمّة في مرحلة مبكّرة من حياتها.
أخيرا فإنّ تجربة الشعر عند الخنساء وما صاحبها من صراع نفسي تجعلنا ننظر إليها بشيء من الخصوصيّة بعيدا عن قضية التلقي في النقد العربي، لأنّ هذه القضية ركّزت على اهتمام الشاعر بالمتلقي، وسعيه الدؤوب في إرضاء أذواق مستمعيه، وبذلك تُقاس شاعريته، وهذا يناقض ما وجدناه من سعي الخنساء في التعبير عن تجربتها، وما يدور ويضطرب في نفسها من صراعات، لأنّها إذا اهتمّت بالمتلقي فقدت اهتمامها بذاتها، فتهدأ نفسها ويزول منها ذلك الصراع الذي يؤجج شاعريتها.
(1) نقلا عن: نظرات في الشعر العربي الحديث / 115.
(2) الشعرية العربية / 71.
(3) تاريخ النقد الأدبي عند العرب / 554.
(4) النقد الأدبي الحديث / 376.
(5) مواقف في النقد والأدب / 182.
(6) استقبال النص عند العرب / 211.
(7) المصدر نفسه / 35.
(8) الشعر والشعراء / 160.
(9) ديوان الخنساء / 129.
(10) المصدر نفسه / 108 ـ 109.
(11) المصدر نفسه / 149 ـ 150.
(12) المصدر نفسه / 105.
(13) المصدر نفسه / 111.
(14) المصدر نفسه / 110.
(15) مقدمة في نظرية الشعر الإسلامي / 149.
(16) ديوان الخنساء / 126.
(17) النقد الأدبي أصوله ومناهجه / 8.
(18) ديوان الخنساء / 127.
(19) المصدر نفسه / 33.
(20) دراسات نقدية في الأدب العربي /151.
(21) مواقف في النقد والأدب / 208.
(22) النقد الأدبي الحديث / 39.
(23) مواقف في النقد والأدب / 196.
(24) الشعرية العربية / 22.