والخواطر المجردة، وهذه في طبيعتها ليست شعرية، ثم العملية الشعرية نفسها التي تقوم على وضع هذه الأفكار في قوالب خاصة معتمدة على تكرار الوزن والقافية والحركة الموسيقية مع مزاوجتها تلك الأفكار والخيالات والعواطف) (22) .
وليست الخنساء كغيرها من الشعراء في التعبير عن تجاربها الشعورية، فهناك تباين واختلاف كبير بين الشعراء في مدى تحسّسهم للمؤثرات الخارجيّة، وما يطرأ على حياتهم من تحوّل أو تغيّر حتى لو كان طفيفا، فبعضهم يعيش ما يُدعى"بالحالة الشعورية"الدائمة حتّى أنّ كلّ شيء حوله يتحوّل إلى رمز يثير لديه حالة شعورية معيّنة (23) ، ومنهم من يحتاج إلى هزّة عنيفة تبعث فيه حالة خاصة في موقف معيّن أو عدّة مواقف مشابهة، فتتأجج فيه مشاعر عارمة تبعثه على قول الشعر، فينفث فيه تلك المشاعر الساخنة التي يمتلئ بها كيانه، وعلى هذه الشاكلة الخنساء، وقد يكون في هذا التعبير المفعم بالحالات الشعورية المتأججة في دواخل شعراء الرثاء عامة والخنساء خاصة ما يدعونا إلى النظر بشيء من الخصوصية إلى ما بناه النقاد القدماء والمحدثون حول قضية التلقي في الأدب العربي، أو العلاقة بين الشفوية الشعرية والسماع ممّا جعل النقد الشعري يتأسس على السماع، يعني مستوى الصلة بين الشعر وسامعه، إذ (لم يكن الشاعر الجاهلي ـ في هذا المنظور ـ ينشئ الشعر لنفسه، بل لغيره، لمن يسمعه، لكي يتأثر به، ومن هنا كانت تُقاس شاعرية الشاعر، بقدرته على الابتكار الذي يؤثر في نفس السامع، وهذا ممّا جعل الشاعر مسكونا بهاجس أساسي هو أن يكون ما يقوله مطابقا لما في نفس السامع، ذلك أنّ مدى فهم السامع لما يقوله هو الذي يحدد مستوى بيانه الشعري، لكن هذا الذي في نفس السامع ليس إلاّ الشيء المشترك العام، وليس فهمه إلاّ انعكاسا للذوق الشائع العام) (24) ، وهذا يعني ـ بالمقابل ـ أنّ كل ما أرادت أن تعبّر عنه الخنساء من تجاربها الشعرية مع قضية الموت لم تكن تنطلق فيه من معاناتها ومكابداتها الخاصة، بل من معاناة ومكابدات الآخرين، كأنّها أصبحت الوسيلة التي يعبّرون بها جميعا عن الغامض والمعتم في أنفسهم الذي يعجزون عن التعبير عنه، فهل يمكن أن يمثّل هذا نوعا من التطابق في تجارب الإنسان بحيث تأتي متشابهة أو متماثلة إلى حد بعيد؟ كأنّ المتلقي هو الشاعر، والشاعر هو المرآة التي يرى فيها المتلقي نفسه.
ويرى بعضهم أن دور المتلقي يتجلى في ناحيتين، الأولى: دفع المبدع للنظم أو تذوق الأعمال الشعرية، والثانية: تتمثل في مشاركة المبدع في عملية الإبداع الشعري عن طريق فك مغالق النص وفهمه العميق، ثم سد الفراغات التي أوجدها الشاعر في نصه) (25) .
ربّما كان من الأجدر أن نقول: إنّ الشاعر لا يمثّل إلاّ نفسه، ولا ينطق إلاّ بتجربته، ولا يعبّر إلاّ عن إحساسه، لأنّه مهما بلغ من القدرة على استشعار معاناة الآخرين وتحسّس آلامهم فإنّه إحساس مؤقت لا يلبث أن يزول بزوال مؤثراته، ويبقى صاحب الجرح وحده يحمل معاناته ويكابد آلام جرحه، وعلى ذلك فإنّه يستحيل إيجاد نوع من التكامل بين الشاعر والمتلقي، وليس كل ما يمر به الشاعر من حالات الشعور التي أثارت فيه عواطفه الكامنة وقدحت لديه زناد قريحته أن تأتي على شيء من التطابق أو التماثل مع الحالات الشعورية التي تثيرها القصيدة في المتلقي بعد سماعها أو قراءتها، لأنّها ـ في أكثر الأحيان ـ تمس وترا حسّاسا في قلب المتلقي لا يُشترط أن يكون هو الوتر ذاته في قلب الشاعر، وربّما صادف مع مرور الزمن أن يكون الشاعر ذاته ذو تجربة أخرى مغايرة فلا يحس بذلك الانتشاء الذي مرّ به حين نظم قصيدته أوّل مرّة، لأنّه غيّر أفكاره، ونسي مشاعره الأولى، وهكذا يعود إلى قصيدته ـ بعد زمن ـ فيجدها لا تمثّل مشاعره الحاليّة ولا تنطق بتجاربه الجديدة (26) ، ولا يمكن لشاعر حقيقي (أن يكف عن النظر في مراياه الشعرية، فهي وسيلته للرؤيا ومراجعة الذات، لذلك تمثل لحظات الانعكاس التأمّلي درجات عديدة من الفكر الشعري المبدع، لا تعود كلها إلى الإعجاب بالذات في طقس نرجسي مألوف، بل تحيل في كثير من الأحيان إلى أقصى لحظات التركيز الوجداني لالتقاط تجربة الخلق في انهمارها وانحباسها، في تدفقها وتعثرها) (27) .
لم يكن الغوص في أعماق الشاعرة واستكناه ما في نفسها من حقائق، ومحاولة معايشة تجربتها الشعرية مع قضية الموت بالأمر الهيّن، لأنّ الطريق إلى ذلك الأمر ليس معبّدا، فالفارق الزمني بيننا وبينها كبير جدا، وليس بين أيدينا إلاّ هذا