الصفحة 7 من 10

الشاعرة أرادت أن تتجسد أخيها صخرا في هذه الأبيات الذي ذكرته بعد ذلك وذكرت أخلاقه وفضائله وشجاعته المنقطعة النظير، فكأن مشاعر الشاعرة الحقيقية أصبحت تمتزج بما كان يشعر به صخر حين كان فارسا، فتعبر عن أحاسيسه المتراكمة في وجدانه بانفعالاتها الخاصة تجاه ما تشعر به لو كان أخوها حيا ولا زال في عنفوان فروسيته ولذا فإن (الموضوع لا يحدد طبيعة العمل ولكن طريقة الانفعال بالموضوع هي التي تحدده، فبمجرد وصف حقيقة طبيعية مثلا وصفا علميا بحتا ليس عملا أدبيا مهما تكن صيغة التعبير فصيحة مستكملة لشروط التعبير، أما التعبير عن الانفعال الوجداني بهذه الحقيقة فهو عمل أدبي وتصوير لتجربة شعورية) (17) ، وفي القصيدة ما يدل على إسلاميتها إذ تضمنت في أحد أبياتها آية من الذكر الحكيم في قولها (18) :

فخرّ الشوامخ من قتلهِ

وزلزلت الأرض زلزالها

يمكن القول أن الشاعرة اتجهت الآن إلى شيء من التفكر والتدبر في حقيقة الموت بعد أن أصبح الدهر لها واعظا، ولكن كم من المتعظين يمكن أن يحول هذه العظات إلى قصائد تنطق بهويته وترسم صورته وتحكي تجربته، قد لا يتأتى ذلك إلى لقلة من الناس ممن يملك الشاعرية والقدرة على تحويل رؤاه الذاتية إلى قصائد تتكلم عن نفسه وتجربته، لأنه لا يدع عقله في سبات، بل هو في صراع مستمر، تنتقل الصورة المحسوسة من واقعه المعيش إلى عقله الباطن، فيترجمها ـ بعد تحليلها واستخلاص التجارب منها ـ إلى أبيات تشعرنا بمشاعره وتحسسنا بأحاسيسه، حتى ليتبادر إلى المتأمل في قصيدته كأنه أمام الشاعر عينه، وكأن القصيدة ـ بدقائقها وتفاصيلها ـ هي الشاعر ذاته.

وهكذا الخنساء إذ يجد من يتعمق في قراءة قصائدها المفعمة بالأحزان نفسه كأنه أمام صورة لامرأة ناعية، تحكي همومها بأناشيد حزينة تدفع بالمتلقي إلى عالم لا نهاية له من الطرب الممتزج بالشجن، ولكن تغيرت نظرتها القديمة إلى الموت، فبعد أن كانت تراه ماردا جبارا لا يفتأ يقصف بأنفس من أحبتهم، أصبحت تراه حقيقة مثالية وتجربة لا بد أن يعيشها ويمر بها كل ذي نفس، وهكذا بعد أن كان الموت ـ في نظرها ـ يشكل واقعا مريرا، أصبح الآن محطة أخيرة تقف فيها للتخلص من كل ما يثقل نفسها من أكدار الحياة.

ربما لا نجد معاناة أطول من معاناة الخنساء، وكأن كل ديوانها ملحمة ليس لها حدود من اللوعة والهموم، إنه صراع طويل مع الأشجان والدموع جعل من الشاعرة رمزا للأحزان والآلام التي لا تهدأ، وربما أن الشاعرة أسدلت الستار على أحزانها عندما وصلت إلى حقيقة أخيرة تلخص كل تجربتها مع الموت عنها بصرخة مدوية (19) :

لا شيء يبقى غير وجه مليكنا

ولست أرى شيئا على الدهر خالدا

لقد أصبحت ذات حكمة في التعامل مع الموت والحياة، وقد أفرغت لنا هذه الحكمة التي واتتها عن طريق تجاربها السابقة بهذه القصائد التي كشفت لنا جهد معاناتها الفكرية، (فأبيات الحكمة تنبثق ـ عادة ـ عن ضرب من التنظير الفكري لنتائج التجربة التي تستقطب جهد المعاناة، بيد أنّ الشاعر لا يسترفد ـ حتّى من خلال هذا المفهوم ـ تفاصيل التجربة وحدها، وإنّما يؤول إلى قيم غدت أشبه بالبديهيات في الحياة الفكرية، فامتلكت القدرة على منح الموقف الآني قوة القانون الملزم) (20) ، وربما كانت خلاصة تجربة الشاعرة ليست وليدة مواقف آنية تستفزها فجأة فتستنفر طاقاتها الفكرية للتعبير عن إحساسها بها في التو واللحظة، ولكنّها خزين الذاكرة، وتاريخ الصراع الطويل الذي عاشت ـ لحقبة مديدة ـ قلق أيامه ولياليه، فأصبحت تسترجع أدقّ تفاصيله وتسكبه في قوالبها الشعرية التي تبث لنا فيها عصارة تجاربها، (ولعلّ من الصواب القول أنّ الذاكرة هي موهبة الشعر الطبيعية، لأنّ الخيال نفسه ليس إلاّ ممارسة للذاكرة، فما من شيء تتخيله ممّا لم يسبق الإلمام به، والقدرة على التخيّل هي قدرتنا على تذكّر ما كنّا جرّبناه، فنطبّقه على مواقف أخرى، ولهذا فالشعراء الكبار هم أولئك الذين يمتلكون ذاكرة عظيمة تتجاوز أقوى تجاربهم إلى أدقّ ملاحظاتهم عن الناس والأشياء ممّا يقع بعيدا عن مراكز أنفسهم المستقطبة) (21) ، وتعمل هذه الذاكرة على إعادة خلق التجربة ومعايشتها، لأن الأفكار والعواطف المختزنة تطفح إلى السطح من أجل إعادة صياغتها وتشكيلها من جديد لتكون بين يدي المتلقي، يعيش فيها وبين أجوائها كما عاش الشاعر حضورها الفعلي والذهني , وعليه فقد (كان لكل تجربة شعرية ناحيتان: الأفكار

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت