ماذا يمكن أن يبقى من الإنسان وهو يعيش هذا الإحساس المر المتمثل بتحطم النفوس وانكسارها على جدران الحياة، و هذا الخطاب الموجه إلى الموت هل هو إلا إصرار على إيجاد فسحة من الأمل لعل الماضي أن يعود، (أيها الموت لو تجافيت عن صخر) صرخة لكنها لا تلبث أن تخمد ويصيبها الخفوت، وتعود الشاعرة بعدها إلى الصحوة المريرة وتعلم أن الواقع لا يمكن أبدا أن يكون مثاليا، فتدعو بالسلام والرحمة للجدث الذي ضم رفات الحبيب الذي لن يعود مهما بكت ومهما أشفقت، ولذلك تقول (14) :
لوكان يشفي سقيما وجد ذي رحم
أبقى أخي سالما وجدي وإشفاقي
لو كان يفدى لكان الأهل كلهم
وما أُثمرّ من مال وأوراق
لكن سهام المنايا من تصبه بها
لا يشفه رفق ذي طيبٍ ولا راق
اذهب فلا يبعدنك الله من رجل
لاقى الذي كل حيّ بعده لاقي
لقد أصبح طابع سلوك الشاعرة يتمثل في هذه الأمنيات التي تجزم أنها لن تتحقق، فالحقيقة الأكيدة هي انقضاء الأجل وانتفاء الأمل، فلو كان الحزن يشفي سقيما من مرضه لكان حزنها كفيلا أن يبقي لها صخرا سالما، ولو كان بالإمكان أن يُفتدى أحد من الموت لكان المال والأهلون فداء له، ولكن من يدركه الموت لن يشفع له رقية الأطباء ولا إشفاق الأحبة، ولذلك هي مؤمنة بأن ما لاقاه أخوها هو ما لاقاه وما سوف يلاقيه كل حيّ في الأرض.
ويبدو أن الخنساء أصبحت مؤمنة بقضاء الله وحكمته في تدبير الأمور، ولا شك أن أبياتها الأخيرة والتي سبقتها هي من نظمها في العصر الإسلامي لشيوع النفس الديني خلالها، ولو أنها أرادت أن تواجه الأمر في الجاهلية لوجدناها أكثر جزعا واستسلاما للقدر المحتوم الذي أصابها بكل تلك النكبات، ولكنها ذات عقل راجح ونفس مؤمنة تعلم أن الموت ليس نهاية المطاف وأن بعد هذه الحياة حياة أخرى تتلوها، وربما كان هذا الأمر هو ما كانت تخشاه حقا على صخر لأنه لم يمت على الإيمان ولذا فهو لم يكن قد أعد للحياة الأخرى عدتها، (فالإنسان الجاهلي ـ ومن خلال تصوّره للحياة ـ كان يدرك أنّ الله هو الخالق، ولكنه ضلّ الطريق، فأنكر البعث والحساب وظنّ أنّ الموت نهاية المطاف، وعنده ينتهي كل شيء، وتصوّر كهذا يزرع في قلب صاحبه الهلع والحزن، ويدفعه إلى الشعور بعبثية الحياة وتفاهتها، وهو يرى الأحبّة يذوبون في دنيا الفناء، وتتقطّع أوصالهم في التراب، فلا أمل ولا لقاء) (15) .
هذا ما يمكن أن يتصوره شخص غير الخنساء لأنها تعلم أن النفس تعود إلى بارئها، فيعيدها كما أنشأها أول مرة، ولذلك تخشى على أهلها الذين سبقوها أن لا يكونوا قد استعدوا للموت وتزودوا من الدنيا لسفر الآخرة الطويل، ولهذا لم يعد حزنها على صخر عميقا كما كان في السابق، بل أصبحت آمالها تتمثل في هذا التطلع الطهور إلى انقضاء الأجل واللحاق بركب الأحبة الذين سبقوها إلى الآخرة، فقد أرشدتها عقليتها المؤمنة وروحها المسالمة إلى أن نهاية الإنسان فناء مؤقت وموت غير دائم، وأن مرجعه إلى خالقه الذي يعيد نشأته الأولى، وهكذا أصبحت نظرتها إلى الحياة تأملية وليست سوداوية حيث تقول (16) :
هممت بنفسي كل الهموم
فأولى لنفسي أولى لها
سأحمل نفسي على آلة
فإما عليها وإما لها
فإن تصبر النفس تلق السرور
وإن تجزع النفس أشقى لها
نهين النفوس وهون النفوس
يوم الكريهة أبقى لها
ونعلم أن منايا الرجال
بالغة حيث يحلى لها
لتجر المنية بعد الفتى
المغادر بالمحو إذلالها
ولكن يبقى كيان الشاعرة يرزح تحت وطأة المعاناة، وهذه النفس التي لا تهدأ ولا تستكين حتى تجد الخلاص، وها هي الشاعرة تخير نفسها بين الصبر والجزع، ولكن لا ريب أنها فضلت الصبر بعد أن أرشدتها حكمتها إلى أن المنية بالغة أجلها مهما يكن من أمر، وخير للفتى أن يقضي نحبه بكرامة وعز على أن يموت طريح الفراش.
ومن يتأمل أبيات الخنساء الأخيرة المقتطفة من إحدى قصائدها يتبادر إلى ذهنه أنها قد تكون لشاعر فتى في مقتبل العمر مغامر يريد أن يرمي بنفسه في المعمعة فإما أن يخرج منها بالفوز الكبير أو يقضي وقد نال شرف المغامرة، ولعل