تزخر هذه الأبيات بالشعرية في تشابك من المعاني المتداخلة التي تعبّر كلها عن حقيقة واحدة، هي أنّ الفناء لاحق بالبشر لأنّه يتمتع بالحيوية وليس جلمودا كالصخر، وعليه فلا بد أن يُرى يوما منقلبا على أحد جنبيه في ناحية لا يرجع منها حيث لا إياب، ويتنامى النص ليكشف لنا عن فارس لا يُشق له غبار تعدو تحته فرس كميت طويلة الذنب، يحمل قناة سوداء سنانها أحمر كأنها محمية بالنار، قد أحسن الحداد في صقلها حتى أصبحت ضربتها قاضية، ولكن من يقف بوجه الخيل والرجال إذا هم فقدوا مثل هذا الفارس الصميدع.
عمق التجانس في هذه الأبيات ينبّه إلى وجود صراع فكري عاشته الشاعرة، وحاولت فيه أن تمزج كل المعاني في مخيّلتها لتخرج بحقيقة واحدة ماثلة للعيان هي أن الموت مدرك البشر وهي لحظة حاسمة كانت الشاعرة تخشى مواجهتها، ولكن تساقط الأحبّة واحدا بعد آخر كتساقط أوراق الشجر جعل دوافع الحياة ـ في نظرها ـ تتحوّل إلى حطام.
كما تشير الأبيات إلى حالة من التفكر العميق الذي جعل الشاعرة تقوم باستعادة مسلسل حياة الفارس الفقيد وكأنها في حالة من التصوير الذهني لموقف مليء بالأحداث والصور والحركة المستمرة، وفي ذلك محاولة منها للخروج من الحالة النفسية القاسية التي تلاحقها ومحاولة لمحو آثارها المؤلمة، فتستمر في بعث الحياة في صورة الرجل الراحل والكشف عن أمجاده وبطولاته، في حين يبقى الوعي في غفلة عن الحقيقة والذهن مسلوب المشيئة.
لا بد أن الشاعرة عاشت أوقاتا عصيبة في أعماق نفسها لتصل إلى حقيقة أن (لا خير في عيش وإن سرنا) ، فكل شيء في الحياة يؤكد أن الأيام (والدهر لا تبقى له باقية) ، ومن خلال هذا التصور لمعاناة الشاعرة لا يستعصي علينا أن نستشعر روحها الهائمة المعذبة تسري في أبيات قصيدتها في شيء من التناسق بين الكلمات والمعنى، وهي تولد فينا لذة استشعارها أو ما يمكن أن نسميه هنا (لذة النص) ، ولكن يبقى إحساسها المشبع بالخوف من الموت الذي لا يعرف التفرقة بين العظيم والضعيف ولا بين الذليل والشريف، فيأخذ الخامل المستكين كما يأخذ الماجد الغطريف، ولذلك تقول بشيء من الألم واللوعة (12) :
ما لذا الموت لا يزال مخيفا
كل يوم ينال منا شريفا
مولعا بالسراة منا فما
يأخذ إلا المهذب الغطريفا
فلو أن المنون تعدل فينا
فتنال الشريف والمشروفا
كان في الحق أن يعود لنا
الموت وأن لا نسومه تسويفا
أيها الموت لو تجافيت عن
صخر لألفيته نقيا عفيفا
عاش خمسين حجة ينكر
المنكر فينا ويبذل المعروفا
رحمة الله والسلام عليه
وسقى قبره الربيع خريفا
كيان الشاعرة ممتلئ بمثل هذه المخاوف، فإنها تخشى كثيرا من عواقب الزمن حتى أصبحت متيقنة أن الموت مولع بالسراة منهم، ولا يأخذ المهذب الغطريف، فقد فرق الموت شمل المجتمعين، وألحق القاطنين من أهلها بالمغتربين، وبقيت هي حائرة لا تلوي على شيء، هذه النفس الإنسانية التي ذاقت كثيرا مرارة الفرقة والتغرب في الحياة أصبحت خاشعة لأمر ربها، متيقنة من رجوع النفس إلى بارئها، طال الأمد بها أو قصر.
الأبيات الأخيرة بمجملها تكشف عن نفسية معذبة وخوف مشوب بالحذر، ففي كل بيت من أبيات هذه القصيدة تتمثل أمام عيني الشاعرة حقيقة الموت وانقضاء الأجل شيئا فشيئا، لقد حققت هذه الأبيات الفهم الكامل الصحيح لما يمكن أن يعيشه الإنسان المكبل بالشعور النفسي الداخلي الذي يتعمق وجدانه ويعبث بدواخل نفسه، لأن الموت ـ في نظر الإنسان منذ الأزل ـ يمثل الحقيقة العظمى التي قضت على أمله في الخلود، وحطمت حلمه السرمدي في البقاء الأبدي على قيد الحياة، وقد عبرت الشاعرة عن هذه الحقيقة بعد ذلك حين وصلت في رحلتها مع الموت إلى نهاية المطاف، فوجهت صرختها المعبرة إلى الإنسان الساذج الباحث عن الخلود (13) :
لا تكذبن فإن الموت مخترم
كل البرية غير الواحد الباقي