الصفحة 4 من 10

فلا وأبيك ما سليت صدري

بفاحشة أتيت ولا عقوق

ولكني وجدت الصبر خيرا

من النعلين والرأس الحليق

ألا هل ترجعن لنا الليالي

وأيام لنا بلوى الشقيق

ألا يالهف نفسي بعد عيش

لنا بندى المختم والمضيق

وإذ يتحكم السادات طرا

إلى أبياتنا وذوو الحقوق

وإذ فينا فوارس كل هيجا

إذا فزعوا وفتيان الخروق

إذا ما الحرب صلصل ناجذها

وفاجأها الكماة لدى البروق

وإذ فينا معاوية بن عمرو

على أدماء كالجمل الفنيق

فبكيه فقد ولى حميدا

أصيل الرأي محمود الصديق

هو الرزء المبيّن لا كباسٌ

عظيم الرأي يحلم بالنعيق

كم هي مؤلمة هذه التجربة التي تأتي فيها الكلمات بموسيقاها الرتيبة ونهاياتها المتكررة كناقوس يدق دقات متناغمة متلاحقة، ولكنها كلمات ناعية باكية متفجّعة، تنطلق من الجوف بحسرة ومرارة، معبّرة عن ألم كبير وحزن عميق.

ليس هيّنا على المرء اجترار هذا الكم الهائل من الأحزان، لاسيّما إذا كان الحزن بسبب موت أعز الناس وأقربهم إلى النفس، حتى يصل إلى قناعة تامة بأنّ هذا هو (الرزء المبين) ، فما من معين على الحياة بعدهم، وليس لها إلاّ أن تنطوي على حزنها، وتصارع ألم التفرّد والتغرّب بعد مضيّهم، ولكنّها تترك بين أيدينا هذه الكلمات التي حاولت من خلالها إخماد ما يشتعل في النفس من حرقة الشجن، ولكن كيف يمكن لها أن تمزج بين هذه الشاعرية وهذه المعاناة؟ ربّما كان الإنسان البسيط الساذج يعتقد أنّ الحزن على الفقيد يشغله عن كل شيء سوى ندبه والبكاء عليه، ولكن الحقيقة أنّ العزاء في هذا الرثاء، والمعاناة التي يسبّبها فقد الأحبّة هي مصدر الشاعريّة.

إنّ تجربة الشعر تنطلق من قوّة الإحساس بالواقعة، لاسيّما إذا كانت مرّة ومؤلمة، وتجربة الخنساء هنا انطلقت من هذا الواقع المر الذي تمثّل بنكبتها بموت أخويها (صخر ومعاوية) اللذين كانا يعنيان لها الأمل والحياة، وكأنّها أحسّت بضياع لذة الحياة، وقد كان صخر يعني لها شقيق نفسها وشقها الأكبر وأنّ عليها أن تكمل الحياة وكأنّها نصف إنسان.

وتبقى لها بعض تلك الذكريات التي تعلم يقينا أنها لن تعود، فقد مضت تلك الليالي العذبة والأيام الجميلة بلوى الشقيق، كما ضاع ذلك العيش الرغيد بندى المختم والمضيق، وربما كان في تذكرها لأحداث الماضي تسلية مؤقتة لا سيما وقد أثقلت أحزان الحاضر كاهلها وأخذ الخوف منها مأخذا، حتى لتمتلئ شعورا أن الماضي مسكن آمن تلجأ إليه كلما أحست بمرارة الحاضر فتهرب إليه هروبا مؤقتا تخلصا من الألم والتماسا لراحة نفسية قصيرة لا تكون إلا في الحلم والخيال ولا يكون بعدها إلا هذا الإحساس المشبع بالخوف من العاقبة أو الخوف من المصير المجهول أو ما يمكن أن يسفر عنه الغد، فمثلما رحل أبوها ورحل أخواها يمكن أن تفقد غيرهم من الأحبة كأبنائها، ولهذا تعلم أن لا خير في الحياة ولا لذة في العيش حتى وإن جاء ببعض المسرات المؤقتة، لأن حوادث الدهر متقلبة لا يقر لها قرار، ولهذا أصبحت نظرتها إلى الحياة نظرة قانط مودع كما يتضح من قولها (11) :

لا خير في عيش وإن سرنا

والدهر لا تبقى له باقية

كل امرئ سر به أهله

سوف يُرى يوما على ناحية

يا من يرى من قومنا فارسا

في الخيل إذ تعدو به الضافية

تحتك كبداء كميت كما

أدرج ثوب اليمنة الطاوية

إذا لحقت من خلفها تدعي

مثل سوام الرُجل الغادية

يكفأها بالطعن فيها كما

ثلم باقي جبوة الجابية

تهوي إذا أرسلن من منهلٌ

مثل عقاب الدجنة الداجية

عارض سحماء ردينية

كالنار فيها آلة ماضية

أشربها القين لدى سنها

فصار فيها الحمة القاضية

أنى لنا إذ فاتنا مثله

للخيل إذ جالت وللعادية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت