الصفحة 3 من 10

ويتسلقون له دون أن يهبط إليهم، لأنه قد انشغل عنهم بما يدور في كيانه من صراعات، وليس له إذا أطبقت عليه نشوة الأمل أو سورة الغضب أن يفكر في ما يمكن أن يرتأيه الآخرون في الذي يعبّر فيه عن سعة أمله أو عمق ألمه.

أمّا الجانب التأثيري للشعر فهو قديم , والشعر ـ أساسا ـ هو مصدر التأثير، وعليه فهو الذي يجب أن يتحكّم بالمتلقي والناقد وليس العكس، (فمنذ أن دُرس الأدب دُرس جانبه التأثيري، إذ لا يتحقق للأدب وجود إلاّ بتأثيره بالنفوس) (7) .

ربما أن تماضر بنت عمرو بن الشريد المعروفة بالخنساء امرأة لم تهنأ لها الحياة طويلا، فقد تلاحقت عليها المصائب تباعا، إذ فقدت أبيها ثم زوجها ثم أخويها معاوية فصخر، وأخيرا أبناءها الأربعة في معركة دارت رحاها في الإسلام، ولكن لاشك أن أعظمهم تأثيرا في نفسها وأشدهم وطأة عليها هو صخر الذي ظلت تندبه أربعين سنة دون نسيان ولا سلو.

ولعل التأريخ حفظ لنا شيئا من مراثيها في أبيها وأخيها معاوية إلا أن رثاءها لزوجها لم يكن شيئا مذكورا، إذ لم يحتفظ لنا رواتها إلا بمرثية واحدة ندبت بها زوجها مرداس بن أبي عامر الذي تزوجته بعد وفاة زوجها الأول رواحة بن عبد العزى (8) ، وهي التي تقول فيها (9) :

لما رأيت البدر أظلم كاسفا

أرنّ شواذ بطنه وسوائله

رنينا وما يغني الرنين وقد أتى

بموتك من نحو القُريّة حامله

لقد خار مرداسا على الناس قاتله

ولو عاده كنّاته وحلائله

وقلن ألا هل من شفاء يناله

وقد منع الشفاء من هو نائله

وفضّل مرداسا على الناس حلمه

وأن كل همّ همّه هو فاعله

قد تكون تجربة الشاعرة مع الموت لم تبلغ عنفوان تأججها حين رثت بعلها، إذ ربما فقدته في مرحلة مبكرة من حياتها الطويلة المليئة بالمآسي، حيث لا يبدو من خلال هذه الأبيات جزعها على الزوج الفقيد مؤلما، ولا يبدو حزنها مريرا، وإن كانت لتعتقد أن ما يسيل من مياه الشتاء على الجبل (شواذ) إنما هو بكاء على زوجها الذي رحل، إلا أن هذه الصورة لا يمكن أن تنقل إلينا مشاعر مضطرمة حائرة على ما أصابها من رزية، إذ يظهر قلب المرأة هنا وقد أصابه شيء غير قليل من برود العاطفة، ولعل السبب يعود إلى أن المرأة إذا فقدت زوجها يمكن أن تجد غيره كما يحدث كثيرا في الجاهلية، كما أن الشاعرة لم تكن الزوجة الوحيدة للرجل فقد أشارت في البيت الثالث إلى عدة أزواج له، وتبقى بقية أبياتها في هذه القصيدة على هذا النحو من برود العاطفة إذ يغلب عليها طابع المديح الشخصي.

قد تكون الشاعرة في غير هذا الموضع متأججة المشاعر، مشبوبة العاطفة، تفيض بكل ما يزخر به كيانها من مشاعر الحزن التي تملأ قلبها، لأنها مجبولة على الحب الجارف لأهل بيتها وأحبائها فإن فقدت واحدا منهم فبإمكانها أن تحول دموعها السخينة إلى أناشيد مفعمة بالحرقة والرثاء، فما الذي جعل أبياتها الأخيرة تفقد طابع الحزن المرير الذي عُرفت به الخنساء في معظم قصائدها؟

يبدو أن تجربة الشاعرة مع الموت لم تبلغ بعد كمال نضجها، لأنها لم تفقد أحدا من شقائق نفسها، فإن الراحل لم يكن إلا رجلا جمعتها به سنة الحياة، وكان يمكن أن يحل غيره محله، ولعل علاقتهما لم تكن على شيء من الحب، وعلى الرغم من ذلك لم تجد بدا من رثائه والبكاء عليه، وربما كانت الشاعرة لم تصل بعد إلى قمة الشاعرية التي من خلالها يمكن أن تجعل أبياتها تقطر أسى وتسيل دموعا، ولعل السبب الحقيقي يعود فعلا إلى العمر، فإنها في الحقيقة لم تصل بعد إلى المرحلة المناسبة التي تخلق منها ناعية كبيرة.

هكذا تعاملت الشاعرة مع الموت (قضيتها الكبرى) في بدء حياتها، ولكنها عرفت بعد ذلك أنه الحقيقة المرة التي ستقض مضجعها وتشغلها عن كل أمر غيره، فهو الأمر الذي لا مفر منه ولا مناص من وقوعه لكل البشر، وقد رأت حقيقته المؤلمة حينما فقدت معاوية وبعده صخرا، فأصبح شعرها نواحا ونشيجا لا تهدأ ثورته ولا تستكين ثائرته، كما في قولها (10) :

هريقي من دموعك أو أفيقي

وصبرا إن أطقت ولن تطيقي

وقولي: إن خير بني سليم

وفارسهم بصحراء العقيق

وإني والبكا من بعد صخر

كسالكة سوى قصد الطريق

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت