وشاعريته هي التي تستطيع أن تهديه إلى كيفية التصرّف بهذا الزاد الثقافي في شعره) (3) .
لكن تبقى كل هذه العملية مقيّدة بصراعات ذهنية كثيرة يعيشها الشاعر، ويعاني منها غاية المعاناة، إمّا أن يفحم بعدها أو يخرج منها برائعة شعرية، فالشاعر قبل أن يخوض تجربته الشعرية يمر بكثير من حالات الصراع النفسي الداخلي، ولولا هذا الصراع لما تواجدت لدينا قصيدة الشاعر بمكوّناتها الإبداعية هذه، وربما عنّ للشاعر أن ينفذ من تجربته الخاصة إلى عالم أرحب وأوسع بأن يرى كل شيء في الكون واقع تحت نير ما وقع له من معاناة وألم في صراعه الذاتي المحض، فيكون شعوره متعديا لما يحس به غيره من ألم التجربة، وعليه فإن (الشعور سواء أثار الشاعر هذا الشعور في تجربة ذاتية محضة كشف فيها عن جانب من جوانب النفس، أو نفذ من خلال تجربته الذاتية إلى مسائل الكون، أو مشكلة من مشاكل المجتمع تتراءى من ثنايا شعوره وإحساسه) (4) .
لذا فإنّ القصيدة قبل أن تظهر بصورتها النهائية الكاملة تكون قد مرّت بكثير من حالات الإلهام والتفكّر والتدبّر في قريحة الشاعر، وقبل أن نعيش نحن في أجواء القصيدة ونحلق في فضاءات معانيها، يكون الشاعر قد عاش صراعات تركيبها ومخاض استيلادها، وهي لحظة عسيرة، يُجهد الشاعر فيها نفسه، وينال الإرهاق من نفسه ومن جسده.
ومن العسير أن نجد أنفسنا في قلب تكوين القصيدة حيث منشأ صيرورتها الأولى ولحظة تركيب مكوّناتها، لأن معايشة الشاعر والغوص في أعماق ذاته، والوقوف على ذلك الصراع النفسي الممض الذي يعيشه ساعة نظم قصيدته أمر يصعب تصوّره أو تخيله لدى المتلقي أو الناقد، ولذلك يعيب الدكتور عبدالجبار المطلبي على النقاد عدم قدرتهم على إعادة خلق هذه التجربة في نفوسهم، ليتمكنوا من الوصول إلى طبيعة هذا الصراع النفسي الذي يعانيه الشاعر حقيقة، يقول: (هناك قصور واضح من جانب النقاد في إعادة خلق التجربة الشعورية في نفوسهم، فهم لا ينظرون إلى القصيدة كما ينظر إليها الشاعر في لحظة تكوينها، وإنّما ينظرون إلى قصيدته من خلال ظروفه، وتقلبات الحياة به التي تركت آثارها على إنتاجه الشعري، وهذه الأمور لا يمكن أن تتغلغل إلى عمق الشاعر وتنفذ إلى ذاته كثيرا، بل تبقى حائمة حول السطح الخارجي لما يتركه الشاعر من أثر إبداعي) (5) ، وليس بالإمكان الادعاء بامتلاك القدرة على معايشة هذه التجربة وإعادة خلقها، ولكنها محاولة لخلق تصوّر حول ما يمكن أن يعيشه الإنسان الذي يمر بهذه التجربة الشعرية، وقد رأينا أن الخنساء عاشت تجربة مريرة مع قضية الموت الذي أصاب عددا من أهلها وأحبتها تباعا في الجاهلية والإسلام فكانت مثالا مميزا لتكون محورا لهذه الدراسة.
ولكن قبل الولوج إلى عالم الخنساء وتجاربها الشعرية يتبادر إلى الذهن هذا التساؤل حول مدى حاجة الشاعر إلى الشعر ومدى حاجته للتعبير ـ عبر طاقاته الإبداعية الكامنة ـ عن هذه الأحاسيس التي تجيش في نفسه إذا كان الشعر مجرد صنعة، وكل ما يجب عليه ليكون مقدّما أن يكون قادرا على إحكام صنعته، وهذا ما يذهب إلى تقريره كثير من علماء الشعر ونقّاده من القدامى والمحدثين، مثل الدكتور محمد رضا المبارك الذي يقول: (إنّ للمتلقي حضورا قويا داخل نظام البيان العربي، وقد وجّه هذا المتلقي طبيعة هذا النظام بسبب تداخل العوامل الأدبية والفكرية وتعاونها في إيجاده، لأن الاتجاه البلاغي والنقدي لم يصنع خصوصيته بمعزل عن الاتجاهات الأخرى، كما أنّه لم يقف موقف المعارض بل المنسجم، لأن جل النقاد كانوا ذوي انتماءات فكرية واضحة، أو هم قريبون من هذا أو ذاك من الاتجاهات سواء كانت لغوية أم كلامية أم فلسفية) (6) .
وعلى هذا أصبح الشاعر مكبّلا بقيود عدم الخروج على ما يحدده له الآخرون من هذه الأمور، وإعمال فكره في كيفية التواصل معهم بحيث لا يأتي بما يستعصي على أفهامهم، لاسيّما وأنّ القصيدة هي البضاعة التي يشتد عليها الطلب في ذلك الوقت، والحاجة التي لا يمكن الاستغناء عنها طويلا.
إنّ الشاعر لا يمكن أن يكون مجردا من الفكر المنطقي، ومن طرق التحليل العقلي مما يجعله مهيّأ للتواصل والتقارب مع جمهوره ومستمعيه، ولكن ذلك يحدث كثيرا في الحماسيّات التي يكون مدارها ـ غالبا ـ المدح والهجاء والافتخار والوصف، أمّا تلك الإشعاعات التي يثيرها الخوف أو العاطفة أو الاندهاش أو الحزن فإنّها تأتي بغير مؤثرات من المستمعين والمتلقين، لأنهم هم الذين يجب أن يتواصلوا مع الشاعر ويقتربون منه،