ومما لا شك فيه أن المرجع الفاعل في تفكير دعاة الإصلاح والتجديد، الذين كادوا أن يُكونوا اتجاها ضاغطا على كل دارس للتراث، هو"ابن مضاء". واللافت للانتباه أن كثيرا من أمهات المسائل التي طُرحت كأفكار بديلة ليست جديدة على النحو والنحاة، بل إنها للقدماء. ففكرة الحركة الخفيفة عند الوصل ودرج الكلام هي"لقطرب"، وفكرة إعراب الأسماء الستة بحركات مَمْطُولة فكرة قالها"المازني"، وفكرة المتكلم هو الذي يُحدث الإعراب فكرة"ابن جني"، وفكرة القرائن والتعليق هي"للجرجاني"، وفكرة الرفع علم الفاعلية والجر علم الإضافة فكرة"للزمخشري"، وفكرة العمدة والفضلة فكرة"الرضي الاستيراباذي"، وصاحب فكرة إلغاء نظرية العامل هو"ابن مضاء"، وهو النحوي الوحيد من بين أكثر من ألفي نحوي ذكرهم"السيوطي"في كتابه"البغية"، الذي وقف هذا الموقف السلبي إزاء النحو العلمي [1] .
ثم إن تصور القدماء لموضوع التيسير، يختلف تماما عن تصور المحدثين. فالقدماء لم تكن بينهم خصومة تذكر حول هذا الموضوع، والتبسيط في نظرهم وأعمالهم قائم على الانتقاء من جملة النحو العلمي، وتجنب الإطالة والتعمق في ذكر القواعد، والاستعانة على توضيحها بالأمثلة والتقليل من الشواهد، والوقوف عند حدود العلة الأولى، وتجنب الشاذ والنادر، والتمييز بين المستويات التعليمية ...
أضف إلى ذلك، أنهم كانوا على وعي بضرورة وجود مستوى من المؤلفات النحوية المختصرة والميسرة إلى جانب مطولاتهم وموسوعاتهم العلمية، وهو ما توحي به عشرات العناوين من متونهم ومختصراتهم.
فبعضها يسمى الواضح، وبعضها يدعى الوجيز، وبعضها الآخر يعرف بالمقدمة أو المدخل ... الخ. وغير ذلك من العناوين التي توحي في وضوح لا يقبل الشك أن تلك العصور لم تخل من نحاة ومربين ومعلمين ألَّفوا ما قرّب الطريق إلى حد ما على المتعلمين.
(1) - محمد صاري، تيسير النحو ترف أم ضرورة؟، مجلة الدراسات اللغوية، مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، المجلد الثالث، العدد الثاني، يوليو-سبتمبر 2001، ص 163.