الصفحة 6 من 14

يريد (السُّيول) جمعَ (سَيْل) ، وَهُوَ كَثيرٌ جِدًّا» [1] . واستشهد ابنُ جنّي أيضًا ببيت الأعشى على أنَّ قَوْلَ الحُطَيْئَةِ:

مَنْ يَفْعَلِ الخَيْرَ لاَ يَعْدِمْ جَوازِيَهُ ... لاَ يَذْهَبُ العُرْفُ بَيْنَ الله وَالنَّاس

يحتمل أنْ يكون قَولُهُ: (جوازيه) جمع (جزاء) «لمشابهةِ المصدرِ اسمَ الفاعل» [2] ، وإِنْ كانَ الظّاهرُ أنْ يكونَ (جوازي) جَمْعَ (جازٍ) ، أي: لا يعدم شاكرًا عليه؛ فاحتملَ قولُ الحطيئة وجهَيْن، ثانيهما ـ أي أن يكون جمعَ جازٍ ـ أقوى من الأوّل.

ومثلُ جمع (سَيْل) على (سوائل) جَمْعُ (خَتْم) على خَوَاتم) في قول الأعشى [3] :

يَقُلْنَ: حَرَامٌ مَا أُحِلَّ بِرِّبنَا ... وَتَتْرُلَ أَموالًا عليها الخَوَاتِمُ

وإِنْ كانَ هذا يحتمل وجهَيْن، كبيت الحُطَيْئَةِ، أحدهما أن يكون جَمْعَ (خَتْم) ، والآخر أَنْ يكونَ جَمْعَ (خاتم) ، أي آثار الخواتم، ولكنَّ هذا لا يمنع أن يكونَ الأوّلُ مرادًا وقولًا [4] .

وَمِنْ هذا أيضًا جَمْعُهُ (حاجة) على (حوائج) في قوله [5] :

الناسُ حولَ قبابِهِ ... أَهْلُ الحَوَائجِ والمَسَائِل

والحوائج جَمْعُ (حاجة) على غير قياس، كَأنَّه جمع (حائجة) ، «وكانَ الأصمعيُّ يُنْكِرُ هذا الحرف ويدَّعي أنّه مُوَلَّد، قال ابن برّيّ: إِنَّما أنكره الأصمعيُّ لِخُرُوجِهِ عن قياسِ جمع (حاجة) ، والنحويّون يزعمون أنّه جمعٌ لواحدٍ لم يُنْطَقْ به وهو حائجة، ... وأمّا قولُ الأصمعيّ إنّه مُوَلَّد فإِنَّهُ خطأٌ منه؛ لأنَّه قد جاء ذلكَ في حديثِ سِّيدنا رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - وفي أشعار العرب الفصحاءِ ... » [6] .

وفي شعره إِبدالُ بعضِ الحروف التي لم يُسمع إِبدالُها عنِ العرب، وذلك في قوله [7] :

أَيّام أَمْنَحُك المَودَّةَ كُلَّهَا ... مِنّي وأَرعى بالمَغيبِ المَأْحَدَا

فقد جاء في شرحِهِ أنَّه أرادَ المَعْهَدَ، فَقَلَبَ العَيْنَ همزةً، والهاءَ حاءً، وقد ذكر ابنُ جِنِّي أَنَّ الحاءَ لا تكونُ بَدَلًا إِلاّ فيما شذَّ عَنْهُم [8] .

ومن ذلك قوله [9] :

فَبَاتَ عَذُوبًا لِلسَّمَاءِ كأنَّمَا ... يُوَائِمُ رَهْطًا للعَزُوبَةِ صُيَّمَا

(1) المحتسب (1: 57) . والبيت الأول الذي أنشده أبو عليّ هو لسلمة بن الخُرْشُبِ الأنماريّ يخاطبُ عامرَ بنَ الطفيل العامريّ، وقُرْزُل: هو فَرَس الطُّفيل بن مالك العامريّ، وكان قُرزُل من وَلَدِ داحسِ، ويُلَقَّب الطفيل بـ (فارس قرزل) . والخنا: الفاحش مِنَ القول، والهُجْرُ: مثلهُ؛ انظر: أسماء خيل العرب ـ للغندجاني (198) .

(2) الخصائص (2: 489) وبيت الحطيئة في ديوانه (51) .

(3) الديوان (129) . يخاطب به يزيد بن مُسْهر الشيباني ويهدّده بالقتل ويحكي قول النّساء وهنّ يندُبنَهُ؛ فأرادَ بالرَّبَّ هنا السّيّد.

(4) الخصائص (489) .

(5) الديوان (389) .

(6) اللسان (حوج) . وفيه بيت الأعشى وغيره من الشواهد من الحديث وأشعار العرب، ثمّ ذكر أنَّ الأصمعي رَجَع عن إنكاره.

(7) الديوان (277) .

(8) سرّ صناعة الإعراب (196) .

(9) الديوان (345) . يصف ثورًا وحشيًّا، والعَذُوب: الذي يترك الأكل من شدة العطش، ويوائم: يوفق ويصنَعُ مثلَ صنع مَنْ يوائمه، والعَزُوبة: الأرض البعيدة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت