فهرس الكتاب
فَجَمَعَ (صائم) على (صُيَّم) ، وأصله (صُوَّم) ، فأبدل الواوَ ياءً، وقد ذكر المرزبانيُّ بِسَنَدٍ قويٍّ أنَ رُؤيةَ بنَ العجّاج سُئلَ عن قول أبيه [1] :
غير ثلاثٍ في المَحَلِّ صُيَّم
فقال: تُيِّهَ بِهِ في المتَيَّهِينَ، هُوُ (صُوَّم) [2] ؛ فَرَدَّه روبةُ إِلى الواو، وإِنْ كانَ صاحبُ القَاموسِ أوْرد جَمْعَ صائِمٍ بالواوِ والياءِ، «فَإِنَّ المَرْزُبَانيّ بسندِه القويِّ يكادُ يقطَعُ بأَنَّ الواوَ هي الأَصْلُ، وأنَّ الياءَ قد أَبْدَلَهَا العَجَّاجُ إِبدالًا مِنَ الواو» [3] ، ومثلُه يكونُ جَمْعُ الأَعْشى.
ووردت في شعر الأعشى مواضعُ صحَّحَ فيها ما حقُّهُ أَنْ يُعَلّ، وذلك في قولِهِ المشهور [4] :
وَقَدْ غَدَوْتُ إِلىَ الحَانُوتِ يَتْبَعُني ... شَاوٍ مِشَلٌّ شَلُولٌ شُلْشُلٌ شَوِلُ
وصِحَّةُ الواو في قوله (شَوِل) شَاذّة، فهي مُتَحَرِّكَة وقَبْلَها حَرْفٌ مَفْتُوح، وَالَقِياسُ أَنْ تُقْلَبَ أَلِفًا، فَيُقَال (شَالٌ) مثل: بَابٌ، ودَارٌ، ونابٌ، ورجلٌ مالٌ (ذُو مَالٍ) ، وكَبْشٌ صَافٌ (كَثيرُ الصُّوفِ) ويومٌ رَاحٌ (شَديدُ الرِّيح) ، ويَوْمٌ طَانٌ (كَثيرُ الطِّين) ؛ وقال ابنُ جنِّي مستشهدًا ببيت الأَعشى على قراءةِ ابنِ عّباسٍ رضيَ اللهُ عنه وغيرِه: {إِنَّ بُيُوتَنَا عَوِرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوِرَةٍ} [الأحزاب: 33/ 13] بكسر الواو: «صحّةُ الواوِ في هذا شاذَّةٌ منِ طريقِ الاستعمال، وذلك أنَّهَا مُتَحَرِّكةٌ بعد فَتْحَةٍ، فكانَ قياسُهَا أَنْ تُقْلَبَ ألفًا، فَيُقال: عَارَة ... ومثلُ (عَوِرَة) في صحّةِ وَاوِهَا قولُهم: رَجُلٌ عَوِزٌ لَوِزٌ، أَيْ لا شيء له، وقَوْلُ الأعشى: (البيت) ، فكأنَّ (عَوِرَة) أسهلُ مِنْ ذلك شيئًا، لأنّها كانت جاريةً على قولهم: عَوِرَ الرَّجُل، فهو بلفظِه والمَعْنَيَانِ يَلْتَقِيَانِ، لأنَّ المنزلَ إِذا أَعْوَرَ [أَيْ بَدَتْ عَوْرَتُهُ، وهي الخَلَلُ الَّذِي فيه] فَهُناكَ إِخْلاَلٌ واختِلالٌ» [5] .
وعلَّلَ ابنُ جنِّي في (الخصائص) سَبَبَ صحّة الواو في (شَوِل) وأمثالِهَا نحو: عَوِر وقَوَد وخَوَنَة ومثلها ممّا يقتضي مَجيءُ واوِهِ مُتَحَرِّكةً بعد فَتْحَةٍ إِعلالَ هذه الواو، فقالَ: إنَّ سَبَبَ صحّة هذه الحروف طريفٌ، «وذلكَ أنّهن شَبَّهُوا حركةَ العَيْنِ [والعَيْنُ ههنا هي الواو] التابعةَ لها بحرفِ اللِّين التابعِ لها، فكأَنَّ فَعَلًا [أيْ ما جاءَ على وزن فَعَل من هذه الأسماء التي لم تُعَلّ عَيْنُهَا، مِثْل: قَوَدِ] فَعَال، وكأَنَّ فَعِلًا [مِثْل شَوِل] فَعِيل؛ فكما يَصِحّ نَحْوُ: جَوَاب [ممّا جاء على فَعَال، وعَيْنُهُ واوٌ بعدَها ألِفٌ زائدة] ... وطَوِيل وحَوِيل [مِمّا جاءَ فَعِيل، وعَيْنُهُ واوٌ بعدَهَا ياءٌ زائدة] فَعَلى نَحْوٍ مِن ذلك صَحَّ بابُ القَوَدِ ... والشَّوِل، مِن حيثُ شُبِّهَتْ فتحةُ العَيْن بالألف من بَعْدِها، وكَسْرَتُهَا بالياء من بعدها» [6] .
وربمّا جاء الأعشى بخِلافِ ما جاء به في (شَوِل) ، فَنَرَاه يُعِلُّ ما تُبْقِيه العَرَبُ صَحيحًا، حَمْلًا له على غيره، وذلك جَمْعُهُ (ثَوْرًا) على (ثِيَرَةٍ) في قوله [7] :
فَظَلَّ يَأْكُلُ مِنْهَا وَهْيَ رَاتِعَةٌ ... حَدَّ النَّهَارِ تُرَاعِي ثِيرَةً رُتُعَا
(1) ديوان العجّاج (1: 444)
(2) الموشّح (218) .
(3) العجّاج - حياته ورجزه (436) .
(4) الديوان (109) . والحانوت: الخّمارة، والشاوي: مَنْ يَشْوي اللّحم، والمِشَلّ والشَّلُول: الذي يَشُلّ الإبلَ، أي يسوقها، والشُّلْشُل: الخفيف السريعُ في العمل، والشَّوِل: الذي يحملُ الشيءَ.
(5) المحتسب (2: 176) .
(6) الخصائص (3: 51 ـ 52) .
(7) الديوان (155؛ ورواية ابن جنّي: « .... صَدْرَ النَّهَارِ يُرَاعي ... » ) .