فهرس الكتاب
وكانَ مذهبُ العربِ في جمعِ ثَورٍ أن تقول (ثِوَرَة) فَيُبْقى على الواو، على رَغْمِ تَحَرُّكِهَا ومجيءِ الكسرة قبلَها؛ لأنّ العَرَبَ تُراعي في الجمعِ حالَ المُفْرَدِ، لأنه أَسْبَقُ مِنَ الجَمْع -كما يقولُ ابنُ جنِّي ـ إِيثارًا للتَّجانُسِ والتَّشَابُهِ وحَمْلِ الفَرْعِ على الأَصْل «أَلاَ تَراهم لمَّا أُعِلَّتِ الواوُ في الوَاحِدِ أَعَلُّوهَا أيْضًا في الجَمْع في نَحْوِ: قِيمةٍ وَقِيَمِ، وَدِيمَةٍ وَدِيَمٍ، ولَمَّا صحّت في الواحد صَحَّحوها في الجَمْع فقالوا: زَوْجٌ وزِوَجَةٌ، وثَوْر وثِوَرَة» [1] وأما (ثِيَرَة) فيما وَرَدَ عَنْهُم فإِنَّ ابنَ جِنِّي يذكر في سبب إِعلال واوها ثلاثةَ أقوالٍ: الأوّل أنَّهُ شاذٌّ، وهو مذهَبُ سيبويه، والثّاني أنَّهُمْ أَعَلُّوه ليفصِلُوا بذلكَ بَيْنَ الثَّورِ مِنَ البَقَرِ، والثَّورِ الَّذِي هُوَ قِطَعُ الأَقِط والَّذي يجمعونَهُ على (ثِوَرَة) بالتَّصحيح، وهُوَ مذهَبُ المُبَرِّد، والثَّالث أَنَّهَا منقوصَةٌ مِن (يِثَارَة) ، فَتَرَكُوا الإعلالَ في العَيْنِ أَمارةً لِمَا نَوَوا مِنَ الأَلِفِ، وَهُوَ مَذْهَبُ أبي بَكْر بنِ السَّرَّاجِ [2] ؛ فعلى القولَيْنِ الأوَّل والثّاني يكونُ إِعلالُ الواوِ في (يِثَرَة) مخالفًا لمذهبِ العرب في تصحيح أمثالها، هذا مع مُلاحظهِ أنّ الأعشى سَكَّنَ عَيْن (ثِوَرَة) فصارت (ثِوْرة) فَقُلِبَتِ الواوُ ياءً لسكونها وكَسْرِ ما قبلها. وعلى الثّالث يكونُ قد حذف بعضَ أجزاءِ الكلمة وسكّن ما كانت حَرَكَتُهُ دليلًا على حذفِ ما حُذِف.
وممّا خالف فيه الأعشى مذهبَ العرب أَنَّه أثبت الألف من ضمير المتكلِّم (أنا) في الوَصْل، وحقُّها أنْ تسقطَ في الوَصْل وتثبتَ في الوَقْف، فقال [3] :
فَكَيْفَ أَنَا وَانْتِحَالِي القَوَا فِـ ... .... يَ بَعْدَ المَشِيبِ، كَفَى ذَاكَ عَارَا
فأجرى (أنا) في حال الوَصْلِ مُجْراها في حالِ الوَقْف، وكان حقُّ الألفِ أن تحذفَ منها؛ لأنّ الاسْمَ من (أنا) هُوُ (أَنَ) فَزِيدَتِ الألفُ للوقف [4] .
وإذا كان الأعشى في هذا البيت يثبتُ ما حقُّه أَنْ يُحْذَف، فإِنَّه كثيرًا ما يحذفُ ما حقُّه الإِثبات، فمن ذلكَ حذفُهُ الواوَ الواقعةَ صلةً لهاءِ الضميرِ المتحرّكِ ما قبلَها في الوصل، إِجراءً لها مجرى الوَقْفِ [5] ، في قوله [6] :
وَمَالَهُ مِنْ مَجْدٍ تَليدٍ وَلاَ لَهُ ... مِنَ الرِّيحِ حَظٌّ لا الجَنوبُ وَلاَ الصَّبَا
فعند إِنشاد البيتِ لابُدَّ مِنْ لَفْظِهِ هكذا «وَمَالَهُ» بالضَّمِّ وحدَهُ، والوَجْهُ أَنْ يُلْفَظَ: «مَالَهُو» .
ومن بابِ الحذف في شعره أنَّه يحذفُ بعضَ حروفِ الكلمات، نحو حذف نون (مِنْ) في قوله [7] :
وَكَأَنَّ الخَمْرَ المُدَامَةَ مِ الإِسْـ ... ـفَنْطِ مَمْزُوجَةٌ بِمَاءٍ زُلاَل
(1) الخصائص (1: 111) .
(2) الخصائص (1: 111) .
(3) الديوان (103) وروايته: «فَمَا أَنَا أَم مَا انتحالي القوافي ... » ولا شاهد فيه على هذه الرواية.
(4) ضرائر الشعر للقزّاز (860) ، وضرائر ابن عصفور (49، ومغني اللبيب(412) ؛ وأشار القزّاز إلى رواية أُخرى هي: «فكيف يكون ... » ولا شاهد فيه على هذه الرواية.
(5) كتاب سيبويه (1: 29 ـ 30) ، وضرائر القزّاز (150) ، وضرائر ابن عصفور (122) .
(6) الديوان (165) . وروايته: «وما هذه مجدٌ ... » ولا شاهد في هذه الرواية.
(7) الديوان (55) . وروايته: «وكأنَّ الخمرَ العتيقَ مِنَ الإسفنط ... » ولا شاهد في هذه الرواية.