فهرس الكتاب
يريد: مِنَ الإِسفنط، فحذف النُّونَ لإِقامةِ الوَزْن، وذهب ابنُ عصفورٍ إِلى أنَّ حذفها «لالتقاءِ الساكِنَيْن تَشْبِيهًا لَهَا بالتَّنوين أو بحرفِ المَدِّ واللِّين، مِن حيثُ كانت ساكنةً وفيها غُنَّةٌ، وهي فَضْلُ صَوْتٍ في الحرف، كما أنَّ حرفَ المَدِّ واللِّين ساكن، والمَدُّ فَضْلُ صَوْتٍ فيه» [1] .
ومنه حذفُ الألف من لَفظِ (الكَتَّان) في قوله [2] :
هُوَ الوَاهِبُ المُسْمِعَاتِ الشُّرُو .. ... .. بَ بَيْنَ الحَرير وبَيْنَ الكَتَنْ
يريدُ: الكَتَّان، لأَنَّ ثِيابَ الكَتَّان «مُعْتَدِلَةٌ في الحرِّ والبرد واليُبُوسَةِ، ولا تَلْزَقُ بالبَدَنِ ويَقِلُّ قَمْلُهُ» [3] ، وأمّا الكَتَنُ فهو «لَطخُ الدُّخَانِ، والسَّوادُ بالشَّفَةِ، والتَّلَزُّجُ، وتُرابُ أَصْلِ النَّخْلَةِ، والدَّرَنُ، والوَسَخُ» [4] فلا بُدَّ أن يكونَ الأعشى أرادَ الكَتَّان، ولكنّه حذف الألف وَخفَّفَ الحرفَ المُشَدَّد قبلَه ليستقيمَ لَهُ الوَزْنُ.
ومثل تخفيف الشَّدَّة في (الكَتَّان) ـ وهو نوعٌ من الحذف ـ تخفيفُ الواوِ في لفظِ (فَوَّار) ، في قولهِ [5] :
نَحْيَا جَمِيعًا وَلَمْ يُفْدِكُمْ ... طَعْنٌ لَنَا في الكُلى فَوَارُ
يريد: طَعْنٌ فوَّارٌ عنيفٌ واسعٌ يندفع منه الدّمُ، فخفَّفَ التَّشديدَ لضرورة الشِّعْرِ.
وَمِثْلُه تخفيفُ الميم الزائدة الدّاخلة على لفظ الجلالة، في قوله [6] :
كَحَلْفَةٍ مِنْ أَبِي رِيَاحٍ ... يَسْمَعُهَا لاَهُمَ الكُبَارُ
فَالمِيمُ في قولِهِ (لاَهُم) مُشَدَّدة في الأصل، تُزَاد في آخر لفظ الجلالة بدلًا من أداةِ النداء (يا) ولكنَّ الأعشى خَفَّفَها [7] . وذهب هذا البيتُ شاهدًا لدى النَّحويّين واللّغويّين على أَنَّ لفظَ الجلالة (الله) أصلُهُ (لاَهُ) ثُمَّ دَخلت عليها (أَلـ) [8] .
ومنه أنه ربما اكتفى بالحركات من حروف المَدِّ، فهو يكتفي بالكسرة من الياء في قوله [9] :
وَأَخُو الغَوَانِ مَتَى يَشَأ يَصْرِمْنَهُ ... وَيَعُدْنَ أعداءً بُعَيْدَ وِدَاد
أَراد: الغواني، «فاكتفى بالكسرة من الياء، وهو كثيرٌ جدًّا [عند العرب] » [10] ، وَوَجْهُ هذا عند ابنِ عُصفور أنّه تشبيهٌ بقَصْر المَمْدُودِ أو بحَذْفِ الياءِ مَعَ التَّنْوِين «من جِهَةِ أنَّ (الألفَ واللاّمَ) و
(1) ضرائر ابن عصفور (114) .
(2) الديوان (71) .
(3) القاموس: (كتن) .
(4) القاموس: (كتن) .
(5) الديوان (333) .
(6) الديوان (333) .
(7) سرّ صِنَاعة الإِعراب (430) .
(8) انظر مثلًا: كتاب سيبويه، وسفر السعادة، واللّسان، وخزانة الأدب.
(9) الديوان (179) ، وروايته: «وأخو النساءِ ... » ولا شاهد فيه. ووردت رواية: «وأخو الغَوَان ... » في: كتاب سيبويه (1: 26 ـ 28) ، والمنصف لكتاب التصريف (2: 73) ، وضرائر القزّاز (143) ، وضرائر ابن عصفور (119) .
(10) المنصف لكتاب التصريف (2: 73 - 74) .