أبوك"خبرٌ , و هذا مذهب سيبويه. انتهى [1] و قد سلف نظير هذا القول عن سيبويه في كل نكرة تضمنت استفهامًا واجتمعت مع معرفة و مثّلها بقوله نحو"كم مالك"على ما فيه من المناقشة. و لا شك في أن أسماءَ الاستفهام متساويةُ الأقدام كما يشهد به عموم كلامه , و خصوص تعليله يتضمن ما يستحق الصدارة."
فإن قلتَ: فلم لم يمثل هو أو غيره بـ"كيف"؟
قلتُ: لا ورود لهذا السؤال لأنه من قبيل تعيين الطريق , و هو غير متعين كما هو واضح بيّن , بل لو مثّل بذلك لأمكن أن يقال:"كم"لا تصلح للابتدائية لأن سيبويه لم يمثل بها , و هذا ليس من دأب المخلصين.
و ما ذكرناه من الجواب هو على طريق الإلزام , و أما الجواب على طريق التحقيق فهو:
أن"كيف"لما جرى الخلاف في ظرفيتها لم تصلح لأن تكون مثالًا لكلٍ من المخالفين , فلذلك مُثّل بما هو متفَقٌ عليه في عدم الظرفية , فتأمله فإنه من أبكار الأفكار , على أن من يقول بظرفية"كيف"لا يمنع ارتفاعها , لأن ابن الحاجب و غيرَه نصّوا على أن كل ما هو لازم للظرفية يرتفع في الاستفهام محلًا مع انتصابه على الظرفية إذا كان خبر المبتدأ مؤخرًا , ومِثْلُ ذلك إذا كان مبتدأ , إذ لا فارق , فدعوى عدم التصرف من عدم حسن التصرف , وقد ذكر ابن هشام [2] في (باب السبك) شروط ما يخبر عنه بـ"الذي"أو فرعها فعدّ من جملتها كون المخبَر عنه مما يقبل التأخير , قال: فلا يخبر عن"أيهم"- أي في الاستفهام - من قولك"أيُّهم في الدار"لأنك تقول [حينئذ] [3] في"الذي هو في الدار أيهم"فتزيل الاستفهام عن صدريته , وكذا القول في جميع أسماء الاستفهام و الشرط و"كم"الخبرية"و"ما " التعجبية و ضمير الشأن , لايُخبر عن شيء منها لما ذكرنا - أي من إزالة ما له صدر الكلام عن صدريته , كما قاله شارح كلامه [4] . انتهى , و هو صريح في المطلوب , لأن"كيف"من جملة أسماء الاستفهام و قد صرح بأن أسماء الاستفهام صالحة لأن يُخبر عنها لولا مانع عدم القبول للتأخير و هو دليل على الإقرار بالقبول لذلك إذ هو فرعٌ لصحة الإخبار عنها و إلا لخرجت من أول وهلة كما هو جليّ واضح. هذا و قد أشار إلى ما ذكرناه شيخ الإسلام ابن حجر - رحمه الله - تعالى فإنه قال في قول البخاري: (وقولُ الله) هو بالرفع على"
(1) الفوائد الضيائية لعبد الرحمن الجامي (1/ 274) , أفادنيه الشريف الحارثي.
(2) في أوضح المسالك , باب الإخبار بالذي و فروعه (4/ 238) .
(3) في الأصل فقط حرف (ح) بالحمرة و التصويب من أوضح المسالك.
(4) قاله الشيخ خالد الأزهري في شرح التوضيح على التصريح (2/ 437) .