بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على إمام المجاهدين وقائد الغر المحجلين محمد بن عبد الله أما بعد:
الحمد لله الذي جعل خلف راية الجهاد الشخصيات العظيمة والرموز المضحية من أجل إعلاء كلمة الحق، أولئك الصادقون المخلصون من أمة الإسلام الذين ما انقطع منهم عهد ولا خلا منهم زمان؛ وبعد:
فهذه بعض المظاهر والأخطاء التي يجب التنبه لها في المسيرة الجهادية كي يتجنبها المجاهد الذي يسعى ويجتهد لبسط حكم الله في أرضه وليس عيبا أو عارا أن يخطيء المجاهد ثم يرجع للحق والصواب؛ ولكن العيب أن يستمر في الخطأ ولا يستفيد منه ولهذا يكثر الإنسان من الدعاء: (اللهم أرنا الحق حقا، وارزقنا أتباعه وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه) .
1 -الحزبية المقيتة؛ التي انتقلت من الحركات الاسلامية الدعوية الى المشروع الجهادي وهي أخطر شيء بحيث يتحول الانتصار للأمة الإسلامية إلى انتصار للحزب والجماعة فينتج عنه التباغض والتحاسد والشح والتدابر وقد يصل إلى الظلم والكذب وإسقاط الرموز الجهادية المشهود لهم بالخير حتى يثبت أن فصيله هو الأفضل والقادر على قيادة الجهاد ولن يقف الأمر بهم إلا بسفك الدماء وخداع النفس باتباع الظن وباطل التأويل.
2 -منظومة الرأي؛ الجهاد ما لم يقع أمره على تنظيم سليم لقيادة الرأي و على رأسهم العلماء والعارفون فيكون المجاهدون لهم تباعًا ويقدمون كلمتهم فلن يكون الجهاد رشيدًا أبدًا، فمن المهم الحفاظ على منظومة الرأي في الأمة والتيار الجهادي، وهذه الأمة مازال يقودها أئمة العلم المعرفون بالعلم والعدالة والمعرفة والوعي يأخذونها لصواب الرأي وسلامة النواة ولم يكن في تاريخها لأهل الجهل والجهالة أي منزلة فإن أعطي أهل الجهل والجهالة منزلة في الدين والعلم والقيادة والرأي كان هذا ازدراء لمنزلة النبوة وحطًا من مكانة الوحي، وقد علمت أمتنا أن قيادة الرأي هي أخطر منزلة والخلل فيها يسبب دمارًا للتيار الجهادي ولذا فمن الضروري أن يكون العلماء والأئمة في المقدمة يستنير الناس بآرائهم ويجعل الناس تبع لهم امتثالًا لقوله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) وقوله صلى الله عليه وسلم: (العلماء ورثة الأنبياء) فإن تسلط أهل الجهل والغوغاء على قيادة الرأي واستلموا خطامه وتملكوا زمامه يُقَيِمُونَ العلماء والمفكرين واهل السبق في الجهاد والهجرة يحطون من قدر هذا ويرفعون ذاك ويخطئون من عارضهم ويخططون و يُنَظِرُون حتى تمتليء الساحة بالفوضى الفكرية والعبث بالعقول والمدارك فتصبح الأمة بلا قيادة.
3 -التجنيد العشوائي داخل التيار الجهادي؛ عبر التساهل في قبول المنتمين للمشروع الجهادي من غير شروط فكرية أو سلوكية ولا قطع مراحل تربوية، وهذا الداء يسري في الجهاد عندما تتساهل القيادة في النظام الأمني لأنها راغبة في الاستعجال في قطف الثمرة وتريد تكثير العدد في ساحة تتصاعد فيها المنافسة أو تريد البروز الإعلامي السريع وأخطر ما يحمله هذا الداء أنه يحول جبهة الجهاد الى مشروع مخترق يتنافس على استغلاله قوة خارجية كلٌ منها يريد أن يوجه مشروع الجهاد الى حيث هو ويحصد الثمرة فيه فتضيع دماء المخلصين فيه هدرًا وتهدر معها أهداف الجهاد ومن ينظر لمسيرة الرسول -صلى الله عليه وسلم- يرى بجلاء كيف أقام هرم مشروعه على قواعد متينة من رجال هم القمم فباشر تربيتهم بنفسه (وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ) .
4 -المؤامرة؛ عندما تسيطر نظرية المؤامرة وعلى موجبها يوسم كل من نقد أو أراد النصح للتيار الجهادي بأنه مؤامرة أو يعمل ضمن مؤامرة، وهذا المرض سببه الاعتزاز بالنفس وتضخيمها لمشروعها الجهادي فيتعامل مع مشروعه كأنه الأمل الوحيد المعصوم ومن أشنع آثار ذلك أن يغلق على نفسه ولا يقبل النصح والنقد والتوجيه ويتخيل أن الجميع في دائرة المؤامرة عليه ويترجم كل موقف يعارضه أنه مدفوع من قبل أعدائه، ويزيد استحكام المعضلة مع الزخم الإعلامي الذي يمدحه أو يتحدث عن خطره فحينها ستتراكم الأخطاء وتتعاظم حتى تقضي على المشروع الجهادي.
5 -البيئه الحاضنة؛ كما هو معلوم أن المشروع الجهادي ليس مشروع تنفيس عنفي مجردا بلا غاية، ولا هو كذلك مجرد ردات فعل انتقامية، ولا استعراض عضلات ولا بطولات هشة سرعان ما تنقلب إلى حطام، ولا إبداء عنتريات لمجرد إظهار القوة؛ بل هو مشروع أمة تريد النهوض وتحكيم شرع الله في أرضه فإن لم تتوفر البيئة الحاضنة فهذا المشروع ليس بناجح للتغير إلا أن يشاء الله؛ ولهذا لم تنجح مشاريع الصدام مع الحكومات المرتدة لأنها فقدت البيئة الحاضنة لها، بخلاف المشاريع المقاومة والمناهضة و المجاهدة للاحتلال فإنها تدوم إن شاء الله، ولو نظرنا لسيرة نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- الذي جند الله له ملائكة السماء ومعه الوعد الإلهي بالنصر وأنصاره في مكة أشجع الناس وأصبرهم وأمضاهم على الجهاد ومع كل ذلك أمر أصحابه بكف الأيدي والصبر حتى انتقل إلى بيئة تحتضن مشروعه فانطلق منها راشدًا مستكملًا الرسالة عبر مراحلها لتصل إلى أهدافها.
وهذه النظرية القاصرة التي تنتشر ويروج لها ولا تهتم بالحاضنة الشعبية لمشروع الجهاد بحيث ينطلقون بحماسة عشوائية في غير بيئة تحتضنهم وسرعان ما يجدون أنفسهم في صدام مع المجتمع لا مع العدو الحقيقي وهو المحتل لبلاد الاسلام بينما يفترض بالمجاهد أنه استعد وأعد وخرج من أجل قتال العدو الغازي لبلاد الإسلام وليس لقتال أهل الإسلام وبهذا الحال يجد العدو الكافر -وهو يملك كل وسائل الإعلام والتأثير على المجتمع- فرصة لفرض وجهة المعركة وساحتها وطبيعتها وقد يتطور هذا الصدام بالمشروع إلى تخبط فكري مشوب بانكفاء نفسي مخيف لدى المشروع الجهادي وقد يتحول إلى غلو بشع ثم لنهاية مأساوية دموية أو تؤدي الصدمة إلى التراجع إلى الضد وترك الدين والجهاد، فيحرق هذا المشروع الخاطئ ما وضع من بذور وما غرس من فسائل كثيرة لو أنها وضعت في مشروع ناجح لأينعت ثمارها سريعًا، ومثال ذلك قصة الحسين رضي الله عنه فقد أشار أهل السابقة من الصحابة على الحسين رضي الله عنهم أن البيئة لا تصلح لما تريد، فلما مالت نفسه إلى الاستراحة والاطمئنان أن نصرهُ منوطٌ بكونه على الحق وثم بمكانته في الأمة فقط وعلو منزلته فرط في تدابير النجاح فَذُبِحَ الحسين وهو سبط النبي -صلى الله عليه وسلم- فكيف بغيره.
وبهذا نقول أن النصر لن ينزل على المجاهدين لأنهم مخلصون فحسب؛ فإذا استعدوا وحاربوا بيئتهم بسبب عجلتهم الجائشة وسهامهم الطائشة ولم يفهموا كيف يكون كسب الناس ولو بترك قتل من يستحق القتل ولو بدفع مفسدة أعظم، إذا لم يعوا كل ذلك؛ فسيذبحون ويذبح معهم مشروعهم.
6 -يجب أن يكون لمشروع الجهاد وزن وقيمة؛ فسيرة نبينا -صلى الله عليه وسلم- فيها مواقف كثيرة تتجلى فيها هذه الناحية فمن ذلك أنه سمع أشنع كلمة وأقبحها ومن رأس المنافقين عبدالله ابن أبي: (يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ) فقال عمر -رضى الله عنه- دعني أضرب عنق هذا الخبيث فقال: -صلى الله عليه وسلم: (دعه لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه) فإذا كان النبي- صلى الله عليه وسلم- تحمل هذه الإساءة البالغة وترك من قال هذه الكلمات التي وصفها الله بقوله: ( ... وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ) لأجل الحفاظ على سمعة المشروع من أن تشوه بالإشاعات والدعايات، هذا وهو رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- فكيف بنا نحن؟
لقد كان يعفو عمن هم بقتله ليستفيد بذلك حسن الدعاية له ولرسالته وقد جاء في كتب الحديث والسيرة عن جابر رضى الله عنه قال: (غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة فجاء رجل منهم يقال له غورث بن الحارث حتى قام على رسول الله بالسيف وقال:(من يمنعك مني؟) قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (الله) فسقط السيف من يده فأخذه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (من يمنعك مني؟) فقال: (كن خير آخذ) فقال رسول الله: (فاشهد أنه لا إله إلا الله) قال الأعرابي: (لا غير أني أعاهدك ألا أقاتلك ولا أكون مع قوم يقاتلونك) فخلى سبيله. وفي رواية قال عندما رجع لأصحابه جئتكم من عند خير الناس.
ولهذا كانت عناوين الإسلام العامة تلقي في نفوس الناس الاطمئنان والراحة والاستبشار فالإسلام من السلم والإيمان من الأمن والإحسان أعلى منازل الدين كما أن الرحمة شعاره -صلى الله عليه وآله وسلم- قال الله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) والخيرية منارة قال تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ... ) وكذلك قال الله تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا ... ) فالوسطية هي الخيرية حتى تتقبلها نفوس البشر ولهذا كان الجهاد ذا أهداف ترجع إلى تحقيق هذه المعاني فحسب ولم يكن القتل فيه مقصودا لذاته ومن هنا لم يعرف التاريخ حروبا كانت أكثر انضباطا من حروب المسلمين ولا أزكى أثرا على الناس، ويستفاد هنا أن ظهور المشروع الجهادي على وسائل الإعلام يجب أن يكون الانطباع العام فيه والأشد وضوحًا عليه هو إبراز رسالة الإسلام السامية وإن احتيج لإرهاب العدو أحيانًا فليكن ولكن؛ لا تطغى هذه الصورة على الإطار العام الذي ذكر سابقا.