الصفحة 25 من 85

إن الجهاد هو مشروع إصلاحي ورحمة وخير وهو مشروع أمة تدافع عن حقها وأراضيها المغتصبة من اليهود والنصارى ولهذا جعل الله سبحانه الخيرية في هذه الأمة معيارًا فما شاع عند خواص الأمة وعلمائها من استحسان وقبول فهو علامة على الخير و العكس بالعكس وقال عبدالله بن مسعود: (فما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن) وجعل رسولنا -صلى الله عليه وسلم- عاجل بشرى المؤمن شكر الأمة لعمله ويجعل الله في قلوب عبادة قبولًا لمن يحبه ولا يمكن لمشروع أن ينجح بالقوة وحدها متجاهلا قبول الناس وحسن استقبالهم له وأثر سمعته الطيبة في نفوسهم، فكيف إذا كان هذا المشروع مشروع أمة الخير والرحمة والإحسان، وقد روي في الحديث عن صلاة من أم قومًا وهم له كارهون أن صلاته محجوبة! وشر الحكام من يلعن الناس و يلعنونه، ومعلوم أن الطغاة مهما حاولوا تشويه سمعة أهل الجهاد يفشلون ما داموا يكذبون دفاعًا عن باطلهم وإرضاء لأعداء الأمة وستبقى الأمة إلا الذين في قلوبهم مرض وكذلك الغوغاء في ريب مما يقوله الطغاة وأن التعاطف مع القائم بالحق على الطغيان مركون في نفوس الناس معقود في فطرهم حتى يقع في المشروع الجهادي الخلل فيضع بيد أعدائنا أعظم سلاح وهو إزالة غطاء القبول والتأييد له في الأمة ومعلوم أن من يلغي جهود الأمة ويتهجم على مشاريع الخير فيها ويحتقر ما يفعله أهل الخير غيره ويشعر نفسه أنه الأمل الوحيد الرفيع والنهج الفريد المنيع معلوم أن هذا عاقبته الفشل ونهايته الخطر ومن قال هلك الناس فهو أهلكهم.

7 -حرق المراحل و استعجال قطف الثمرة؛ فالله سبحانه وتعالى خلق الدنيا في ستة أيام والله نقل خاتم النبين عبر التمكين التام الذي مر بمراحل معلومة، فكان خطاب كل مرحلة يناسبها، ومضت الحكمة القائلة: (من استعجل شيئًا قبل أوانه عوقب بحرمانه) والجهاد لا يمكنه تحقيق هدفه من التمكين إلا بمروره عبر مراحل التمكين ولن يحقق شيء بالقفز على المراحل سوى السقوط الكبير، ففي كل مرحلة نحتاج لصياغة خطاب سياسي يناسبها من غير تنازل عن الحق ولا مداهنة لجهل الجاهلين فكذلك كانت سيرة النبي -صلى الله عليه وسلم- ومن الأمثلة صلح الحديبية فقد وضع هذه الوثيقة عليه الصلاة والسلام بحيث بدأ ظاهرها عند أحسن الناس فهما أنها مجحفة للطرف الإسلامي وكانت في حقيقتها فتحًا مبينًا وكان خطابها قد اقتضى أن يؤجل الصدام مع أشد الناس عداوة له وأن يدخل في حلف مع من لا يؤمن برسالته فقد دخلت خزاعة في حلفه واستغل هذه المرحلة ليخضع من حول دولته من الأعراب والقبائل ثم بعد فتح مكة انتقل لمرحلة ما وراء جزيرة العرب وهكذا كانت سيرته ولا يستفيد الذين يقفزون إلى اسم التمكين دون مسماه وإلى شعاره دون حقيقة سوى خداع النفس وإلهائها بالأماني، فإذا قالوا نحن نريد استباق الصراع الداخلي؛ فإن هذا ليس هو الحل لما يتوقع من الصراع الداخلي بل هو استجلاب له فلا يمنع من الصراع على ثمرات الجهاد إلا ائتلاف الكلمة وتصافي القلوب ووحدة الأهداف وتقارب الرؤى وتلك مهمة قيادات من ذوي الرأي والحلم و العلم فهذه هي التي تجلب العواقب الرشيدة وليس السلاح والدماء بين أهل الجهاد فهي لا تجلب إلا مزيدًا من الخراب وهذا ما عرفه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وابنه الحسن رضى الله عنهما فتركا الاحتكام إلى السلاح في عاقبة أمرهما وآثرا العصمة من الدماء رغم أنهما في قتال هما فيه على الحق لكن كانت عاقبة المفسدة أعظم من المصلحة فكيف بقتالٍ غير قتالهما وجيلٍ غير جيلهما.

8 -الأخلاق؛ فالله سبحانه وصف نبيه أنه على خلق عظيم ووصف رسالته بقوله: (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق) ولهذا جاءت بعد آيات التوحيد آيات الإحسان لليتم وإكرام الضيف وإغاثة الملهوف وإنقاذ الموؤدة وإطعام المسكين وكان -صلى الله عليه وسلم- يعين على نوائب الحق وأنه الصادق الأمين وأخذ أول قرار له بعد التمكين فكان العفو عن أعدائه حتى تلك التي أكلت كبد عمه، وإنما يسود الناس بمكارم الأخلاق وإن ذهبت أخلاقهم ذهبوا ولئن تولى زمام الأمة قوم قلوبهم غليظة لا أحلام لهم ولا يكرمون كريمًا ولا ينزلون الناس منازلهم ولا يعرفون لذوي الحقوق حقوقهم ولا لذوي الهيئات مكانتهم في المجتمع فإنها ستضيع مصالح الأمة نتيجة عبث هؤلاء،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت