فهرس الكتاب
أما المثال الأغنى بالدروس فهو صدام حسين، الصديق المحبوب والشريك التجاري للغرب، رغم أسوأ فظائعه. فعندما كان جدار برلين يتهاوي عام 1989، تدخل البيت الأبيض مباشرة، في اجتماع شديد السرية، الضمان تلقي العراق ضمانات قروض جديدة بمقدار مليار دولار، رغم اعتراض وزارتي الخزانة والتجارة القائلتين بأن العراق لم يكن أهلا للثقة. كان السبب، كما شرحت وزارة الخارجية، هو أن العراق «شديد الأهمية لمصالح الولايات المتحدة في الشرق الأوسط» و «ذو أثر في عملية السلام» ، وہ مفتاح لحفظ الاستقرار في المنطقة، ويقدم فرصة تجارية كبرى للشركات الأمريكية». وكما هي العادة دائما، لم تكن جرائم صدام حسين بذات أهمية، إلى أن ارتكب جريمة العصيان. لكن الغرب سرعان ما عاد لدعمه تكتيكية ضد عدو أشد خطرة وهو الحرية والديمقراطية في العالم الثالث. كما بينا للتو (22) .
الدرس واضح ثانية: الأولوية للأرباح وللقوة، أما الديمقراطية التي تتعدى الشكل فهي خطر يجب تجنبه، وأما حقوق الإنسان فهي ذات قيمة ذرائعية في خدمة الأهداف الدعائية لا أكثر.
وكما لاحظ سايمز Simes ، فقد أدى سقوط الاتحاد السوفيتي لجعل التدخل المكشوف خيارا أكثر إمكانية من قبل. ليس مفاجئا إذن أن يدشن بوش حقبة ما بعد الحرب الباردة بغزو بنما لإنقاذنا من الشيطان الكبير نورييغا. فبعد حملة دعائية حسنة الإعداد، خدمتها الصحافة بكل مواهبها معتمة على حقيقة أن الغزو ترافق مع الإعلان عن مساعدات جديدة لأصدقاء بوش في بكين وبغداد، الأصدقاء الذين لا يبدو نورييغا إزاء هم أكثر من صبي صغير في جوقة الكنيسة. ومن جديد ?دمت المصالح الحقيقية، أعيد شركاء الولايات المتحدة البنميون إلى السلطة وعادت قوات الأمن إلى حظيرة السيطرة الأمريكية، وصارت واشنطن قادرة على التحكم بمصير قناة بنما. ومن جديد يتضح معنى الحرب الباردة، رغم بقاء النظام العقائدي منيعا (23) .