فهرس الكتاب
عوالم القاهرة المتباينة مضمرة في أحاديث إفيلين بارينج على المائدة. فعلى حين أنه كان يتقن الفرنسية، والإيطالية، واليونانية الحديثة، وكان لديه إلمام بالإغريقية والرومانية، فلم يتعلم كرومر العربية أبدأ، وبدلا من ذلك، كان يستخدم أساسيات اللغة التركية ليتحدث إلى التخب المحلية .. ليس من المستغرب أن نظر كثير من المصريين إلى الحي الأوروبي کورم کيسي غريب عن جسد مدينتهم. نمو مهين لا يمكن استيعابه، كما أنه لم يكن مفاجئا أنه حينما تقاعد القنصل العام سنة 1907، كان الاحتفاء به في وطنه أكثر إطراء بكثير من مراسم رحيله الصقيعية. حضرت الجالية الأوروبية المستعمرة بكامل قوتها خطاب الوداع الذي ألقاه لكن لم يكن بين الحضور سوى ثلاثة مصريين متجهمين وقاطع الباقون تلك المناسبة، وكما علق رونالد ستورز مساعده المخلص على رحيل اللورد کرومر (أعظم راع أجنبي عرفته أية أمة شرقية، وفقا لستورز) . فقد مرت عربته في شوارع أصطفت على جانبها قوات مسلحة وسط صمت يفوق الجليد برودة».
تعزي البرودة، جزئية، إلى حدة الغضب الذي أثاره سلوك اللورد الاستبدادي أثناء سنواته الأخيرة، والذي يوضحه إصراره على تعيين المزيد من المستشارين» البريطانيين للوزراء المصريين، وأيضا إرهابه الخديوى عباس الثاني وتنمره عليه لإصراره على حقوقه كحاكم لمصر بالتقابل مع خليفته؛ وكان من بين تلك العوامل أيضا إهماله للتعليم. (الأمر الذي استهان به ألفريد ميلنر في كتابه واحتواه ضمن فصل بعنوان «منوعات متفرقة) . أما العامل المباشر فقد كانت سحابة «حادث دنشواي، القاتمة التي خيمت على رحيله وكان الحادث قد وقع قبل عام من تقاعده .. ورغم أن تلك الحادثة قد تم نسيانها بالخارج إلا أن تفاصيلها مازالت حية مالوفة لدى جميع التلاميذ المصريين، كان قد تم شنق أربعة فلاحين وجلد ثمانية بضراوة الاشتباكهم في مشادة مع خمسة ضباط بريطانيين كانوا يصطادون الحمام والسمان بقرية دنشواي، ولسوء الحظ، توفي أحد الضباط البريطانيين في ملابسات