الصفحة 126 من 598

وأيا كان ما افتقدته مصر بعد کرومر، فهي لم تفتقد أبدأ مثيري الشغب المتحمسين. عمل النظام الذي جسده «اللورد» على إذكاء المشاعر المريرة وعلى اغتراب حتى المصريين الذين كانوا أكثر قربا عن «مستشاريهم» البريطانيين. وفيما توالت عقود ما بعد کرومر، غدا سؤال مكانة مصر ووضعها أكثر إبهامة، رغي السير إلثن جورسث، خليفته المباشر، في منح المصريين قدرة أكبر من سلطة البت في شئونهم الخاصة، وكانت تلك سياسة موائمة للحزب الليبرالي الذي كان قد عاد إلى السلطة في ظل الحكومة التي ترأسها هربرت أسكويث. لكنه وجد أن المشكلة تمثلت في أنه كلما منح المصريون «نتفة، سلطة، كان الوطنيون يصخبون مطالبين بالحصول على الوجبة كاملة، وأما المتعانون مع البريطانيين، فكانوا موضع شجب بصفتهم خونة مرتدين، في عام 1910، هبطت سلطة أسكويث إلى الحضيض إثر مقتل بطرس غالي الذي كان جورست قد زگاه رئيسا للوزراء أدان إبراهيم الورداني، بطرس غالى الأرستوقراطي القبطي، بالخيانة لأنه وافق عام 1899 على اقتسام سيادة مصر على السودان، واتهمه بالتذلل لشركة قناة السويس، هذا علاوة على ترؤسه محكمة دنشواي، ومن ثم قام باغتياله، وعلى إثر ذلك، احتشد الطلبة في شوارع القاهرة وهم يهتفون «الورداني الورداني، اللى قتل النصراني» .

أضمرت جملة واحدة في مذكرات جورست جوهر نظرته الساذجة، حيث كتب يقول عن منصبه «ليس ثمة مكان في طول الإمبراطورية البريطانية وعرضها، يتمنع فيه المحتل بحرية اتخاذ القرارات والإجراءات تفوق تلك التي يتمتع بها مفوض بريطانيا وقنصلها العام بمصره - متناسية أن مصر لم تكن أبدأ جزمة من الإمبراطورية البريطانية

مثل شذوذ وضع مصر ارتباكة كبيرة أثناء الحرب العالمية الأولى، حينما تحالفت تركيا - صاحبة السلطة الرسمية على القاهرة - مع ألمانيا وأعلنت الحرب على بريطانيا، أنذاك، كان كيتشنر قد خلف جورست قنصلا عاما، ورغم مسعاه إلى

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت