فهرس الكتاب
ولما كانت هذه الأفعال المحتملة غيرَ ظاهرة في الكفر أو: عدمِه، احتيج إلى ترجيح أحد الطرفين بمرجح معتبر في الشرع، كأن يُسأل الفاعل عن قصده ونيته، وهذا أظهر المرجحات وأحوطها في هذه المسائل الخطيرة التي يترتب عليها آثار وخيمة في الواقع.
لهذا لما سئل شيخ الإسلام ابن تيمية-رحمه الله تعالى-كما في: (المجموع) (35/ 197/198) : (عمن سب شريفًا من أهل البيت، فقال:(لعنه الله، ولعن من شرفه) ؟ أجاب رحمه الله تعالى-بقوله: (وليس هذا الكلام بمجرده من باب السب الذي يقتل صاحبه، بل: يستفسر عن قوله:(من شرفه) ، فإن ثبت بتفسيره أو: بقرائن حالية، أو: لفظية أنه أراد لعن النبي-صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم-وجب قتله، وإن لم يثبت ذلك ... لم يكن ذلك موجبًا للقتل باتفاق العلماء). وقد تبين من هذا النقل عن شيخ الإسلام-رحمه الله تعالى-، أن من المرجحات التي تعين المراد من العمل المحتمل-إلى جانب تبين القصد-النظر في القرائن الحالية أو: اللفظية.
فإن دلت القرائن مثلًا على أن مرتكب الفعل مغموص عليه في النفاق، أو: متهم بالابتداع والإلحاد، أو: مشار إليه بالزندقة، كان هذا مرجحًا قويًا لكونه أراد بفعله الكفر، وبالمقابل من كان من أهل الصلاح والتقوى، وكان مشهورًا عنه مجالسة الأخيار، والمحافظة على الشرائع، وتعظيم الرب والدين، ترجح عدم إرادته الكفر بفعله المحتمل
وهذا باب طويل الذيل، عظيم النفع، مَن ضبط فروعه وتطبيقاته لم يخش على نفسه من الخطل والزلل. والله الموفق).
وقال الصنعاني-رحمه الله تعالى: ( ... وكذلك المعتزلة تنسب الكفر إلى غيرها باعتبار المآل، والحق أنه لا يُكفر أحد من أهل القبلة إلا بإنكار متواتر من الشريعة(عن صاحبها) ، فإنه حينئذ يكون مكذبًا بالشرع إلى آخر كلامه-أي: ابن دقيق العيد-والمراد بيان أن هذه التكفيرات بلازم المذهب باطلة عند المحققين وعند القائلين بالتكفير أنفسهم إذا تقرر ما سمعت وعرفت أن هذا غاية ما استدل به من كفر المجبرة من الأدلة العقلية، ولهم أدلة سمعية كلها ظنية [1] ، كما
(1) -الظن لغة: خلاف اليقين، وقد يستعمل في اليقين، واصطلاحًا: تجويز أمرين، فما زاد لأحدهما مزيد على سائرها.
وقيل على قسمين:
1 -أحدهما: أن يكون بمعنى العلم، من ذلك: (إني ظننت أني ملاق حسابيه) (سورة الحاقة، رقم الآية:20) ، فدخل في باب العلم.
والثاني: ليس بمعنى العلم، ولكنه من باب التجويز.
وقيل: هو الاحتمال الراجح مع احتمال النقيض.
وقد بينت الفرق بين الظن والشك بقولي:
وَالظَّنُّ تَجْوِيزُ امْرِئٍ أَمْرَيْنِ*أحَدُ جُزْءَيْنِ أَجْلَى مِنْ ثَيْنِي
والشَّكُّ تَجْوِيزُهُمَا يَا مَاهِرْ*مِنْ دُونِ فَضْلِ أَحَدٍ لِلآخَرْ
انظر: (إقامة الدليل على ضعف أدلة تكفير التأويل) (ص:213) ، و (المصباح المنير) (2/ 386) ، و (شرح الكوكب المنير) (ص:22) ، و (التعريفات) (ص:178) .