فهرس الكتاب

الصفحة 211 من 344

وَقَالَ تَعَالَى: (يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ) (سورة الأنعام، رقم الآية:130) .وَقَالَ تَعَالَى: (وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلاَّ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ) (سورة القصص، رقم الآية:59) .

ثم ذكر آياتٍ كثيرةً فقال: وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ: فَمَعْلُومٌ أَنَّ الْحُجَّةَ إِنَّمَا تَقُومُ بِالْقُرْآنِ عَلَى مَنْ بَلَغَهُ، كَقَوْلِهِ: (لأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ) (سورة الأنعام، رقم الآية:19) .

فمن بلغه بعض القرآن دون بعض، قامت عليه الحجةُ بما بلغه دون ما لم يبلُغه فَإِذَا اشْتَبَهَ مَعْنَى بَعْضِ الآيَاتِ، وَتَنَازَعَ النَّاسُ فِي تَأْوِيلِ الآيَةِ: وَجَبَ رَدُّ مَا تَنَازَعُوا فِيهِ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَإِذَا اجْتَهَدَ النَّاسُ فِي فَهْمِ مَا أَرَادَهُ الرَّسُولُ-صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وصحبه وَسَلَّمَ-: فَالْمُصِيبُ لَهُ أَجْرَانِ، وَالْمُخْطِئُ لَهُ أَجْرٌ.

فَلاَ يُمْنَعُ أَنْ يُقَالَ ذَلِكَ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ قَبْلَنَا؛ فَمَنْ لَمْ يَبْلُغْهُ جَمِيعُ نُصُوصِ الْكِتَابِ قَبْلَنَا: لَمْ تَقُمْ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ إِلاَّ بِمَا بَلَغَهُ، وَمَا خَفِيَ عَلَيْهِمْ مَعْنَاهُ مِنْهُ، فَاجْتَهَدَ فِي مَعْرِفَتِهِ، فَإِنْ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِنْ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ، وَخَطَؤه مَحْطُوطٌ عَنْهُ.

فَأَمَّا مَنْ تَعَمَّدَ تَحْرِيفَ الْكِتَابِ، لَفْظِهِ أَوْ: مَعْنَاهُ، وَعَرَفَ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ، فَعَانَدَهُ: فَهَذَا مُسْتَحِقٌّ لِلْعِقَابِ، وَكَذَلِكَ مَنْ فَرَّطَ فِي طَلَبِ الْحَقِّ وَاتِّبَاعِهِ، مُتَّبِعًا لِهَوَاهُ، مُشْتَغِلًا عَنْ ذَلِكَ بِدُنْيَاهُ.

وَعَلَى هَذَا: فَإِذَا كَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْكِتَابِ قَدْ حَرَّفُوا بَعْضَ الْكِتَابِ، وَفِيهِمْ آخَرُونَ لَمْ يَعْلَمُوا ذَلِكَ، فَهُمْ مُجْتَهِدُونَ فِي اتِّبَاعِ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ-صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم-: لَمْ يَجِبْ أَنْ يُجْعَلَ هَؤُلاَءِ مِنَ الْمُسْتَوْجِبِينَ لِلْوَعِيدِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت